الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جديدة تتجلى في التأثر بمنهج المتكلمين مع المحافظة على التصور السلفي إجمالاً، ولعل السبب في ذلك هو كثرة كتب المتكلمين الأصوليين (1) في تلك الفترة وانتشارها مع إتقان ترتيبها وحسن عرضها (2) .
-
المرحلة الثالثة:
بداية هذه المرحلة هي بداية القرن الثامن وتنتهي بنهاية القرن العاشر تقريبًا، وقد برز في هذه المرحلة - في أوائلها - إمامان جليلان، حفظ الله بهما منهج أهل السنة والجماعة، وجدد الله بهما هذا الدين.
إنهما شيخ الإسلام ابن تيمية (3) ، وتلميذه ابن قيم الجوزية (4) .
وقد وافق عصر هذين الإمامين اتساع جهود المتكلمين الأصولية (5) فقد
(1) مثل كتب الباقلاني، والجويني، والغزالي، والرازي. وظهرت أيضًا كتب المعتزلة كالقاضي عبد الجبار، وأبي الحسين البصري.
(2)
ومن جهة أخرى فقد استفاد ابن قدامة من كتب الحنابلة المتقدمين: كـ"العدة" للقاضي أبي يعلى، و"التمهيد" لأبي الخطاب، و"الواضح" لابن عقيل. وقد بدأ جليًا تأثر هؤلاء بالمتكلمين واستفادتهم منهم.
(3)
هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني ثم الدمشقي، تقي الدين أبو العباس، تفقه في مذهب الإمام أحمد وبرع في التفسير والحديث، وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب، وأتقن العربية ونظر في العقليات وأقوال المتكلمين ورد عليهم ونصر السنة، وأوذي في ذات الله واعتقل وسجن، له تصانيف كثيرة منها:"منهاج السنة النبوية"، و"الاستقامة"، و"درء تعارض العقل والنقل"، توفي سنة (728هـ) . انظر:"ذيل طبقات الحنابلة"(2/387) ، و"شذرات الذهب"(6/80) .
(4)
هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي ثم الدمشقي، شمس الدين أبو عبد الله ابن قيم الجوزية، تفقه في مذهب الإمام أحمد وبرع وأفتى، لازم ابن تيمية وأخذ عنه، وتفنن في علوم الإسلام، وله في كل فن اليد الطولى، وكان ذا عبادة وتهجد، وقد امتحن وأوذي مرات، وصنف تصانيف كثيرة منها:"زاد المعاد في هدي خير العباد"، و"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"، توفي سنة (751هـ) . انظر:"ذيل طبقات الحنابلة"(2/447) ، و"معجم المؤلفين"(9/106) .
(5)
لم يقتصر الأمر على جانب أصول الفقه، بل إن منهج المتكلمين قد شاع وذاع في مباحث العقيدة أيضًا، وقد تصدى هذان الإمامان للرد عليهم، فمن ذلك "بيان تلبيس الجهمية" لابن تيمية، و"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" لابن القيم، وغير ذلك.
توافرت كتبهم، المختصرات منها والمطولات، وتداول الناس هذه الكتب، وعمت مطالعتها ودراستها (1)، ويمكن تلخيص دور هذين الإمامين إزاء هذا التيار في جانبين:
الجانب الأول: تأصيل قواعد أهل السنة والجماعة، وتثبيت دعائم منهج السلف الصالح بالحجة البالغة والبرهان الساطع، والرجوع في كل ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وما دل عليه العقل الصريح والفطرة السليمة، وما ورد عن الصحابة والتابعين، وعدم الالتفات إلى مناهج المناطقة ومسالك الفلاسفة.
إن القضايا والمطالب التي اشتغل ابن تيمية بإظهارها وبيانها أو ابن القيم، إنما هي قضايا كلية ومطالب أساسية، عليها تبني مسائل كثيرة وفروع عديدة.
فمن الأمثلة على ذلك (2) :
أ- وجوب اتباع الكتاب والسنة اتباعًا عامًا، وأنه لا تجوز معارضتهما برأي أو عمل أو ذوق أو غير ذلك، بل يجب أن يجعلا هما الأصل، فما وافقهما قبل، وما خالفهما رد.
ب- أن الكتاب والسنة وإجماع الأمة أصول معصومة، تهدي إلى الحق، لا يقع بينها التعارض، وأن القياس الصحيح موافق للنص أيضًا.
جـ- أن للعلماء في اجتهاداتهم أسبابًا وأعذارًا، والواجب في المسائل الاجتهادية بيان الحق بالعلم والعدل.
د- أن أحكام الشريعة مشروطة بالقدرة والاستطاعة إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
هـ- أن الرسول صلى الله عليه وسلم أتم بيان هذا الدين، فالدين كامل والنصوص محيطة بأفعال المكلفين، وأن رسالته صلى الله عليه وسلم عامة للثقلين وهي ضرورية للخلق.
الجانب الثاني: الرد على الباطل وكشف زيفه، وبيان بطلانه، وذلك بعد
(1) من هذه الكتب: "المحصول" للرازي، و"الإحكام" للآمدي، و"مختصر ابن الحاجب"، و"المنهاج" للبيضاوي. انظر:"مقدمة ابن خلدون"(361) .
(2)
انظر هذه الأمثلة وغيرها فيما يأتي (ص 530- 547) من هذا الكتاب.
الوقوف على مآخذه لدي أهله؛ لمقارعة الحجة بالحجة.
كل ذلك بأدلة المنقول والمعقول، مع النصيحة والبيان، فكان هذا الصنيع تصحيحًا للخطأ وتقويمًا للاعوجاج، وتوضيحًا للحق ودعوة إليه، وفضحًا للباطل وتحذيرًا منه.
ومن الأمثلة على ذلك (1) :
أ- مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وبيان طرفي الانحراف في هذه المسألة.
ب- جناية التأويل وخطورته، وبيان الصحيح منه والباطل.
جـ- الرد على من زعم أن النصوص تفيد الظن ولا تفيد اليقين، وذكر الأدلة على ذلك.
د- درء التعارض بين العقل والنقل، وإقامة الأدلة والشواهد على ذلك.
إن جهود ابن تيمية وابن القيم وآثارهما الجليلة امتداد لآثار من سبقهم من أئمة أهل السنة والجماعة، فقد استفاد هذان الإمامان من جهود ابن عبد البر، والخطيب البغدادي، وابن السمعاني، ومن قبلهم الإمام الشافعي وغير هؤلاء من الأئمة. يضاف إلى ذلك أن جهود هذين الإمامين تمثل دراسة تقويمية لكتب المتكلمين الأصولية، ونقدًا لقواعد المتكلمين ومناهجهم، وبيانًا لما لها وعليها انطلاقًا من منهج السلف الصالح.
وإذا أردنا الوقوف على آثار هذين الإمامين في أصول الفقه فإنه من الصعوبة الإحاطة بهذه الآثار على وجه الدقة، ذلك لضخامة تراثهم وسعة امتداده من جهة، ومن جهة أخرى فإن تآليفهما تتصف بالاستطراد والتشعب، فما أن يبتدئ الواحد منهما بموضوع حتى يفرع الكلام على غيره، وهذا يجره إلى غيره وهكذا، ولعل صفة الاستطراد عند ابن تيمية أظهر وأقوى منها بالنسبة إلى ابن القيم.
لذا حَسُنَ جَمْعُ ما لهذين الإمامين من أبحاث أصولية في قائمتين خاصتين (2) .
(1) انظر هذه الأمثلة وغيرها فيما يأتي (ص 530- 547) من هذا الكتاب.
(2)
انظر ما سيأتي (ص530- 547) من هذا الكتاب.