الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إما بأن سمع ما لم يسمع الآخر. وإما بأن فهم ما لم يفهم الآخر، كما قال تعالى:{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ*فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78، 79](1) .
5-
انقسام الأدلة الشرعية إلى قطعية وظنية
(2) :
الأدلة الشرعية منها ما هو قطعي، ومنها ما هو ظني:
فالدليل القطعي: ما كان قطعي السند والثبوت، وقطعي الدلالة أيضًا.
وحكم هذا النوع من الأدلة وجوب اعتقاد موجبه علمًا وعملاً، وأنه لا يسوغ فيه الاختلاف، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء في الجملة (3) .
قال الإمام الشافعي: "أما ما كان نص كتاب بين، أو سنة مجتمع عليها، فالعذر فيها مقطوع، ولا يسع الشك في واحد منها، ومن امتنع من قبوله اسُتتيب"(4) .
وقال أيضًا: "كل ما أقام الله به الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه منصوصًا بينًا لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه"(5) .
فقوله: (لمن علمه) يفيد أن الخلاف في هذا النوع يمكن أن يقع من جهة تحقيق المناط. يوضح ذلك ما قاله ابن تيمية:
"وإنما قد يختلفون في بعض الأخبار هل هو قطعي السند أو ليس بقطعي؟ وهل هو قطعي الدلالة أو ليس بقطعي؟ "(6) .
وقال أيضًا: "....... وكل من كان بالأخبار أعلم قد يقطع بصدق أخبار لا يقطع بصدقها من ليس مثله. وتارة يختلفون في كون الدلالة قطعية لاختلافهم في أن ذلك الحديث هل هو نص أو ظاهر؟ وإذا كان ظاهرًا فهل فيه ما ينفي الاحتمال المرجوح أو لا؟ وهذا أيضًا باب واسع، فقد يقطع قوم من العلماء
(1)"مجموع الفتاوى"(13/124، 125) .
(2)
انظر (ص149، 158، 180، 181) من هذا الكتاب.
(3)
انظر: "مجموع الفتاوى"(20/257) .
(4)
"الرسالة"(46) .
(5)
المصدر السابق (560) .
(6)
"مجموع الفتاوى"(20/257) .
بدلالة أحاديث لا يقطع بها غيرهم، إما لعلمهم بأن الحديث لا يحتمل إلا ذلك المعنى، أو لعلمهم بأن المعنى الآخر يمنع حمل الحديث عليه، أو لغير ذلك من الأدلة الموجبة للقطع" (1) .
أما النوع الثاني وهو الدليل الظني: فهو ما كانت دلالته ظاهرة غير قطعية، أو كان ثبوته غير قطعي.
وحكم هذا النوع: وجوب العمل به في الأحكام الشرعية باتفاق العلماء المعتبرين، أما إن تضمن حكمًا علميًا عقديًا، فمذهب السلف أنه لا فرق بين الأمور العلمية والعملية وأن العقائد تثبت بالأدلة الظنية (2) .
قال ابن تيمية: "وذهب الأكثرون من الفقهاء وهو قول عامة السلف إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من الوعيد.
فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين بعدهم ما زالوا يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد كما يثبتون بها العمل، ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها للفاعل في الجملة.
وهذا منتشر عنهم في أحاديثهم وفتاويهم.
وذلك لأن الوعيد من جملة الأحكام الشرعية التي تثبت بالأدلة الظاهرة تارة، وبالأدلة القطعية تارة أخرى.
ولا فرق بين اعتقاد الإنسان أن الله حرم هذا، وأوعد فاعله بالعقوبة المجملة، واعتقاده أن الله حرمه وأوعده عليه بعقوبة معينة من حيث إن كلاً منهما إخبار عن الله، فكما جاز الإخبار عنه بالأول بمطلق الدليل فكذلك الإخبار عنه بالثاني، بل لو قال قائل: العمل بها في الوعيد أوكد كان صحيحًا، ولهذا كانوا يسهلون في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب ما لا يسهلون في أسانيد أحاديث الأحكام؛ لأن اعتقاد الوعيد يحمل النفوس على الترك، فإن كان ذلك الوعيد حقًا كان الإنسان قد نجا، وإن لم يكن الوعيد حقًا بل عقوبة الفعل أخف من ذلك
(1)"مجموع الفتاوى"(20/259) .
(2)
انظر المصدر السابق (20/286) ، و"مختصر الصواعق المرسلة"(489) .