الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الخامسة: أدلة اعتبار المصلحة المرسلة
من الأدلة على اعتبار المصلحة المرسلة (1) :
أ- عمل الصحابة رضي الله عنهم بها في وقائع كثيرة مشتهرة (2) .
ب- أن العمل بالمصالح المرسلة مما لا يتم الواجب إلا به فيكون واجبًا (3) .
وذلك أن المحافظة على مقاصد الشريعة الخمسة ثبت بالاستقراء اعتبارها ووجوبها، وهذه المحافظة إنما تتم بالأخذ بالمصلحة المرسلة وبناء الأحكام عليها.
المسألة السادسة: سد الذرائع وإبطال الحيل
مما يدخل تحت الضابط الرابع من ضوابط الأخذ بالمصلحة المرسلة -السابق ذكرها (4) - ألا يؤدي العمل بها إلى مفسدة أرجح منها أو مساوية لها في المآل وثاني الحال.
والمقصود بهذا القيد التنبيه على أصلين من أصول الشريعة وقواعدها الكلية، هذان الأصلان هما سد الذرائع وإبطال الحيل:
لقد جاءت هذه الشريعة بسد الذرائع وهو تحريم ما يتذرع ويتوصل بواسطته إلى الحرام، كما جاءت بإبطال الحيل التي تفتح باب الحرام.
(1) انظر: "روضة الناظر"(1/415) ، و"شرح الكوكب المنير"(4/170) ، و"المصالح المرسلة" للشنقيطي (21، 22) .
(2)
من الأمثلة على ذلك تولية أبي بكر رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه الخلافة من بعده، وتدوين الدواوين في عهد عمر رضي الله عنه، واتخاذه أيضًا دارًا للسجن بمكة. انظر:"المصالح المرسلة" للشنقيطي (11، 12) ، و"رحلة الحج إلى بيت الله الحرام"(175، 176) .
(3)
انظر (ص 298) من هذا الكتاب فيما يتعلق بمسألة «ما لا يتم الواجب إلا به» .
(4)
انظر (ص 238، 239) من هذا الكتاب.
قال ابن القيم: " وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات، وذلك عكس باب الحيل الموصلة إليها.
فالحيل وسائل وأبواب إلى المحرمات، وسد الذرائع عكس ذلك، فبين البابين أعظم التناقض.
والشارع حرم الذرائع وإن لم يقصد بها المحرم لإفضائها إليه، فكيف إذا قصد بها المحرم نفسه" (1) ؛ يعني: بذلك الحيل.
مثال سد الذرائع: نهي الله عن سب آلهة المشركين مع كون ذلك أمرًا واجبًا من مقتضيات الإيمان بألوهيته سبحانه، وذلك لكون هذا السب ذريعة إلى أن يسبوا الله سبحانه وتعالى عدوًا وكفرًا على وجه المقابلة (2) .
قال تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] .
ومثال الحيل المحرمة التي يتوصل بها إلى فعل الحرام: فعل بني إسرائيل لما حرم عليهم صيد الحيتان يوم السبت، إذ نصبوا البرك والحبائل للحيتان قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل، فلما انقضى السبت أخذوها، فمسخهم إلى صورة القردة (3) .
قال تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163] .
وعلاقة سد الذرائع وإبطال الحيل بالمصلحة يجليه ابن القيم بقوله: "وبالجملة فالمحرمات قسمان: مفاسد، وذرائع موصلة إليها مطلوبة الإعدام، كما أن المفاسد مطلوبة الإعدام.
والقربات نوعان: مصالح للعباد، وذرائع موصلة إليها.
(1)"إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان"(1/361) .
(2)
انظر المصدر السابق.
(3)
انظر: "إعلام الموقعين"(3/162) ، و"تفسير ابن كثير"(1/109) .
ففتح باب الذرائع في النوع الأول كسد باب الذرائع في النوع الثاني، وكلاهما مناقض لما جاءت به الشريعة، فبين باب الحيل وباب سد الذرائع أعظم التناقض.
وكيف يظن بهذه الشريعة العظيمة الكاملة التي جاءت بدفع المفاسد وسد أبوابها وطرقها أن تجوز فتح باب الحيل وطرق المكر على إسقاط واجباتها واستباحة محرماتها، والتذرع إلى حصول المفاسد التي قصدت دفعها" (1) .
****
(1)"إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان"(1/370)، وانظر:"إعلام الموقعين"(3/135) بخصوص سد الذرائع، وبخصوص تحريم الحيل انظر (3/159) منه.