الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثامنة: الأمر بالشيء هل يستلزم النهي عن ضده
؟
لا شك أن الأمر بالشيء ليس هو النهي عن ضده من حيث اللفظ، إذ لفظ الأمر غير لفظ النهي.
أما من حيث المعنى فإن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، فإن قولك: اسكن، مثلاً يستلزم النهي عن الحركة؛ لأنه لا يمكن وجود السكون مع التلبس بضده وهو الحركة، لاستحالة اجتماع الضدين، فالأمر بالشيء أمر بلوازمه وذلك ثابت بطريق اللزوم العقلي لا بطريق قصد الأمر (1) .
ذلك أن الآمر بالفعل قد لا يقصد طلب لوازمه وإن كان عالمًا بأنه لا بد من وجودها مع فعل المأمور (2) .
تنبيه:
هذا القول يختلف عن القول بأن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده؛ لأن مذهب القائلين بأن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده مبني على أساس فاسد، وهو أن الأمر قسمان: نفسي ولفظي، فباعتبار الأمر النفسي زعموا أن الأمر هو عين النهي عن الضد (3) .
المسألة التاسعة: تنبيهات
1-
المراد بالأمر الأمر اللفظي الدالة عليه صيغة الأمر «افعل» ؛ ذلك
(1) انظر (ص296) وما بعدها من هذا الكتاب.
(2)
انظر: "المسودة"(49) ، و"مجموع الفتاوى"(20/159 - 166) ، و"مختصر ابن اللحام"(101) ، و"مذكرة الشنقيطي"(28) .
(3)
انظر: "القواعد والفوائد الأصولية"(183) ، و"شرح الكوكب المنير"(3/52) ، و"مذكرة الشنقيطي"(27) ، وانظر فيما سبق من هذا الكتاب فيما يتعلق بالكلام النفسي.
لأن كلام الله هو الذي نقرأه بألفاظه ومعانيه، قال تعالى:{فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ} [التوبة: 6] ، فصرح سبحانه بأن ما يسمع ذلك المشرك المستجير -بألفاظه ومعانيه- هو كلامه تعالى.
هذا هو الحق الذي ذهب إليه سلف الأمة في هذه المسألة (1) .
وذهب كثير من المتكلمين إلى أن الأمر نوعان:
أمر لفظي وهو ما سبق ذكره، وأمر نفسي وهو الكلام القائم بالنفس المجرد عن الألفاظ والحروف.
فإثبات هؤلاء الأمر النفسي مبني على إثباتهم للكلام النفسي الباطل، وهذا مخالف للكتاب والسنة واللغة والعرف، كما سبق بيانه (2) .
2-
الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به.
وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين» (3) . فهذا ليس خطابًا من الشارع للصبي ولا إيجابًا عليه، مع أن الأمر واجب على الولي.
وقد يدل دليل على أن الأمر بالأمر بالشيء أمر به فيكون ذلك أمرًا به بلا خلاف. وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: «مره فليراجعها» (4) . فإن لام الأمر في قوله: «فليراجعها» ، صدرت منه صلى الله عليه وسلم متوجهة إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فيكون مأمورًا بلا خلاف (5) .
3-
فعل الأمر هل يقتضي الإثابة والإجزاء؟
(1) انظر في ذلك: "رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت". للإمام أبي نصر السجزي، وهي من مطبوعات المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
(2)
انظر (ص397، 398) من هذا الكتاب.
(3)
رواه أبو داود (1/133) برقم (495)، وحسنه الألباني. انظر:"صحيح الجامع"(2/1022) برقم (5868) .
(4)
قال ذلك صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في شأن طلاق ابنه عبد الله رضي الله عنهما امرأته في الحيض. الحديث أخرجه البخاري (9/345) برقم (5251) ، ومسلم (10/61) .
(5)
انظر: "روضة الناظر"(2/96) ، و"القواعد والفوائد الأصولية"(190) ، و"مذكرة الشنقيطي"(198) .
الجواب على ذلك أن الإجزاء والإثابة يجتمعان ويفترقان.
فالإجزاء: براءة الذمة من عهدة الأمر والسلامة من ذم الرب وعقابه.
والإثابة: الجزاء على الطاعة.
مثال الإجزاء مع عدم الإثابة: إذا اشتمل الصيام مثلاً على قول الزور والعمل به فتبرأ الذمة ويقع الحرمان من الأجر لأجل المعصية.
ومثال الإثابة مع عدم الإجزاء: إذا فعل المأمور به ناقص الشروط والأركان؛ فيثاب على ما فعل ولا تبرأ الذمة إلا بفعله كاملاً بالنسبة للقادر العالم.
ومثال اجتماع الإجزاء والإثابة: إذا فعل المأمور به على الوجه الكامل ولم يقترن به معصية تخل بالمقصود.
فَعُلم بذلك أن امتثال الأمر على الوجه المطلوب يقتضي الإجزاء دون الثواب (1) .
قال ابن تيمية بعد أن ذكر التفصيل السابق: «هذا تحرير جيد: أن فعل المأمور به يوجب البراءة، فإن قارنه معصية بقدره تخل بالمقصود قابل الثواب، وإن نقص المأمور به أثيب ولم تحصل البراءة التامة.
فإما أن يعاد، وإما أن يجبر، وإما أن يأثم» (2) .
4-
الأمر المطلق بالإتمام أمر بالإتيان بالواجب والمستحب، كقوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] . فما كان واجبًا فالأمر به إيجاب، وما كان مستحبًا فالأمر به استحباب (3) .
(1) انظر: "روضة الناظر"(2/93) ، و"مجموع الفتاوى"(19/303) ، و"مذكرة الشنقيطي"(197) .
(2)
"مجموع الفتاوى"(19/304) .
(3)
انظر: "مجموع الفتاوى"(19/291، 292) .