الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بجميع شروطه الشرعية والعادية والمعنوية والحسية، فإن الذي شرع الأحكام عليم حكيم يعلم ما يترتب على ما حكم به على عباده من لوازم وشروط ومتممات.
فالأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به، والنهي عن الشيء نهي عنه وعن كل ما يؤدي إليه. فالذهاب والمشي إلى الصلاة ومجالس الذكر، وصلة الرحم، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، وغير ذلك من العبادات داخل في العبادة. وكذلك الخروج إلى الحج والعمرة والجهاد في سبيل الله من حين يخرج ويذهب من محله إلى أن يرجع إلى مقره وهو في عبادة؛ لأنها وسائل للعبادة ومتممات لها.
جـ- لا بد من التفريق بين
ما لا يتم الواجب إلا به
وبين ما لا يتم الوجوب إلا به، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا قد سبق بيانه.
أما ما لا يتم الوجوب إلا به فهو غير واجب، ومثاله:
أن الاستطاعة شرط في وجوب الحج، وملك النصاب شرط في وجوب الزكاة، فإن وجوب الحج لا يتم إلا بالاستطاعة، ووجوب الزكاة لا يتم إلا بملك النصاب، ولا يجب على العبد تحصيل الاستطاعة ولا ملك النصاب، فما لا يتم الواجب إلا به يتوقف عليه إيقاع الواجب، وما لا يتم الوجوب إلا به يتوقف عليه وجوب الواجب (2) .
د- ما لا يتم الواجب إلا به نوعان:
1-
أن يكون مأمورًا به شرعًا، كالسعي إلى الجمعة، في قوله تعالى:
(1)"القواعد والأصول الجامعة"(10، 11) .
(2)
انظر: "مجموع الفتاوى"(20/160) ، و"نزهة الخاطر العاطر"(1/107) .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} [الجمعة: 9]، وكالطهارة للصلاة في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] .
فما لا يتم الواجب إلا به وهو السعي والطهارة اجتمع عليه دليلان:
الأول: النص القرآني.
والثاني: قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (1) .
2-
أن يكون مباحًا لم يرد فيه أمر مستقل من الشارع، كإفراز المال لإخراج الزكاة فهذا ليس بواجب قصدًا إنما وجب بقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وعلى هذا النوع تنطبق القاعدة القائلة: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب وهي لا تنطبق على النوع الأول.
هـ- بناءً على ذلك نستطيع أن نقول: إن المباح قد يكون واجبًا إذا كان الواجب لا يتم إلا به، وقد يبقى المباح على حاله الأصلي من جواز الفعل والترك وذلك إذا لم يكن وسيلة إلى أمر آخر.
وقد يكون المباح مندوبًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون حرامًا، وذلك حسب تعلقه بغيره (2) .
و النهي عن الشيء نهي عما لا يتم اجتنابه إلا به.
مثال ذلك: إذا اختلطت الميتة بالمذكاة، فإن الكل يحرم تناوله؛ الميتة بعلة الموت، والمذكاةُ بعلة الاشتباه.
إذ الواجب الكف عن الميتة فقط، وذلك لا يتم إلا بالكف عن الاثنتين معًا بسبب الاشتباه (3) .
وبذلك يتبين أن ما لا يتم الواجب إلا به قد يكون فعلاً كالطهارة للصلاة،
(1) انظر: "مذكرة الشنقيطي"(15) .
(2)
انظر: "مجموع الفتاوى"(10/533) وسيأتي إن شاء الله بيان أنه بإعطاء الوسائل حكم مقاصدها تنحل شبهة الكعبي الذي يقول: "إن المباح مأمور به" انظر (ص 309) من هذا الكتاب.
(3)
انظر: "روضة الناظر"(1/110) ، و"مجموع الفتاوى"(10/533) .
وقد يكون كفًا وتركًا، كترك أكل المذكاة في المثال المتقدم.
ز- وبهذا يتبين أيضًا أن النهي فرع عن الأمر؛ إذ الأمر هو الطلب، والطلب قد يكون للفعل أو للترك.
قال ابن تيمية: ".....الأمر أصل والنهي فرع، فإن النهي نوع من الأمر، إذ الأمر هو الطلب والاستدعاء والاقتضاء، وهذا يدخل فيه طلبُ الفعل وطلبُ الترك لكن خص النهي باسم خاص"(1) .
والمقصود أن قاعدة: "النهي عن الشيء أمر بضده" داخلة تحت القاعدة الكبرى "الأمر بالشيء أمر بلوازمه" فيكون النهي عن الشيء إذن مستلزمًا للأمر بضده إذا تقرر أن النهي فرع عن الأمر.
قال ابن تيمية – في الأمر والنهي -: "وبالجملة فهما متلازمان، كل من أمر بشيء فقد نهى عن فعل ضده، ومن نهى عن فعل فقد أمر بفعل ضده كما بُسط في موضعه، ولكن لفظ الأمر يعم النوعين، واللفظ العام قد يخص أحد نوعيه باسم، ويبقى الاسم العام للنوع الآخر، فلفظ الأمر عام لكن خصوا أحد النوعين بلفظ النهي، فإذا قُرن النهي بالأمر كان المراد به أحد النوعين لا العموم"(2) .
حـ- الأمر المطلق لا يمكن امتثاله إلا بتحصيل المعين، مع أن المأمور به مطلق، وذلك كالأمر بعتق الرقبة في قوله تعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3] ، فإن العبد لا يمكنه الامتثال إلا بإعتاق رقبة معينة.
قال ابن تيمية: "....فالحقيقة المطلقة هي الواجبة، وأما خصوص العين فليس واجبًا ولا مأمورًا به، وإنما هو أحد الأعيان التي يحصل بها المطلق؛ بمنزلة الطريق إلى مكة، ولا قصد للآمر في خصوص التعيين"(3) .
ط- إذا علم أن الأمر المطلق لا يتحقق إلا بتحصيل المعين فإن إطلاق الأمر لا يدل على تخصيص ذلك المعين بكونه مشروعًا أو مأمورًا به، بل يرجع في ذلك إلى الأدلة؛ فإن كان في الأدلة ما يكره تخصيص ذلك المعين كره، وإن
(1)"مجموع الفتاوى"(20/119) .
(2)
المصدر السابق (11/675) .
(3)
المصدر السابق (19/300) .
كان فيها ما يقتضي استحبابه استحب، وإلا بقي غير مستحب ولا مكروه.
مثال ذلك: أن الله شرع دعاءه وذكره شرعًا مطلقًا عامًا وأمر به أمرًا مطلقًا، فقال:{اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41]، وقال:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] ، فالاجتماع للدعاء والذكر في مكان معين، أو زمان معين، أو الاجتماع لذلك: تقييد للذكر والدعاء، وهذا التقييد لا تدل عليه الدلالة العامة المطلقة بخصوصه وتقييده، لكنها تتناوله لما في هذا التقييد من القدر المشترك.
فإن دلت الأدلة الشرعية على استحباب ذلك؛ كالذكر والدعاء يوم عرفة بعرفة، أو الذكر والدعاء المشروعين في الصلوات الخمس والأعياد والجمع وطرفي النهار وعند الطعام والمنام واللباس ودخول المسجد والخروج منه ونحو ذلك: صار ذلك الوصف الخاص مستحبًا مشروعًا استحبابًا زائدًا على الاستحباب العام المطلق.
وفي مثل هذا يعطف الخاص على العام، فإنه مشروع بالعموم والخصوص، وإن لم يكن في الخصوص أمر ولا نهي بقي على وصف الإطلاق، وجاز الإتيان بأي فعل معين يتحقق به امتثال الأمر المطلق (1) .
وقد عبر ابن تيمية رحمه الله عن هذه القاعدة بقوله:
شرْعُ الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد...." (2) .
وقد بين ابن تيمية فائدة هذه القاعدة، فقال رحمه الله:
"وهذه القاعدة إذا جُمعت نظائرها نفعت، وتميز بها ما هو البدع من العبادات التي يشرع جنسها من الصلاة والذكر والقراءة، وأنها قد تُميز بوصف اختصاص تبقى مكروهة لأجله أو محرمة: كصوم يومي العيدين، والصلاة في أوقات النهي.
(1) انظر: "مجموع الفتاوى"(20/196، 197) .
(2)
المصدر السابق (20/196) .
كما قد تتميز بوصف اختصاص تكون واجبة لأجله أو مستحبة كالصلوات الخمس والسنن والرواتب" (1) .
وخلاصة القول:
أن هذه القاعدة تفصيل وشرح للقاعدة السابق ذكرها تحت قاعدة الأمر بالشيء أمر بلوازمه، وهي "أن الأمر المطلق لا بد في امتثاله من تحصيل المعين"، إذ إن من لوازم امتثال الأمر المطلق تحصيل المعين، ولكن هذا المعين يشترط في جواز تحصيله ألا تكون الأدلة الشرعية قد تعرضت له بأمر أو نهي.
أما في حالة ورود الأمر أو النهي في هذا المعين فتحصيله لا يكون جائزًا، بل يكون حكمه تابعًا للدليل الوارد فيه من استحباب، أو كراهة، أو وجوب، أو تحريم، ومعلوم أن ورود الأمر بتحصيل المعين موافقًا للأمر المطلق من باب عطف الخاص على العام وتعاضد الأدلة، وأن ورود النهي عن تحصيل المعين مخالفًا للأمر المطلق من باب تخصيص العموم وتقييد المطلق.
ي- تبين مما مضى أن الأمر المطلق يتحقق امتثاله بتحصيل معين.
وهذا المعين إذا كان امتثال الواجب يفتقر إليه فلا يتصور النهي عنه، إذ يكون هذا المعين والحالة كذلك قد أُمر به ونُهى عنه، وهذا ممتنع؛ لأنه تكليف ما لا يطاق؛ إذ هو تكليف للفاعل أن يجمع بين وجود الفعل المعين وعدمه.
أما إذا كان هذا المعين لا يفتقر إليه امتثال الواجب فالنهي عنه ممكن، فالمطلوب من العبد والحالة كذلك الامتثالُ للواجب بالإتيان بمعين ليس منهيًا عنه، والعبد في هذه الحالة ممنوع من امتثال الواجب بمعين منهي عنه؛ إذ يمكنه امتثال الواجب بمعين غير منهي عنه، وبذلك يسهل فهم مسألة الصلاة في الدار المغصوبة، إذ الأمر بالصلاة مطلق في أي مكان، والنهي عن الغصب مطلق في جنس الكون، فلدينا أمر بصلاة مطلقة، ونهي عن كون مطلق، ولم يأمر الشارع
(1)"مجموع الفتاوى"(20/198) .
بالجمع بينهما فلا تلازم إذن بين الأمر والنهي، إذ مورد الأمر غير مورد النهي، لكن العبد هو الذي جمع بين المأمور به والمنهي عنه في المعين.
أما الشارع فلم يأمره بصلاة مقيدة في مكان معين إذ الشارع لا يأمر بالمعين إلا لتحصيل الأمر المطلق.
فيمكن أن يقال: فعل الصلاة في الدار المغصوبة اجتمع فيه المأمور به وهو الأمر بصلاة مطلقة، والمنهي عنه وهو الكون المطلق، ويكون الفاعل مطيعًا من وجه عاصيًا من وجه آخر، فجهة الأمر منفكة عن جهة النهي، فتكون الصلاة صحيحة يحصل بها الإجزاء، ويأثم على الغصب.
ويمكن أن يقال: فعل الصلاة في الدار المغصوبة منهي عن الامتثال به، إذ هو مأمور بالصلاة، منهي عنها، فيكون نهيًا عن بعض الصلاة، فتكون الجهة واحدة وهي أن هذه الصلاة منهي عنها فلا يحصل بها الإجزاء.
وعلى كل فكلا النظرين محل للاجتهاد. لكن لا يصح أن يقال على كل حال: إن عين هذه الأكوان مأمور بها منهي عنها (1) .
وذلك لأن:
ك- الفعل الواحد يمكن أن يكون مأمورًا به من وجه منهيًا عنه من وجه آخر، إذ إن الفعل الواحد تجتمع فيه مصلحة ومفسدة من جهات مختلفة.
وكون الفعل مصلحة أو مفسدة، مقتضيًا للثواب أو العقاب، مأمورًا به أو منهيًا عنه، ليس من الصفات اللازمة وإنما هو من الصفات الإضافية، ولهذا يُعقل أن يوجد في الفعل الواحد منفعةٌ ومضرة معًا، فيُؤمر بتحصيل المنافع، ويُنهى عن تحصيل المضار، فيُؤمر بالصلاة المشتملة على المنفعة ويُنهى عن الغصب المشتمل على المضرة، لكن من غير الممكن أن يُؤمر بالفعل الواحد ويُنهى عنه من وجهٍ واحد؛ إذ إن هذا تكليفُ ما لا يطاق، إذ كيف يقال له: افعلْ ولا تفعلْ، في وقت واحدٍ من وجهٍ واحد (2) .
(1) انظر: "مجموع الفتاوى"(19/299، 300) . وانظر ما سيأتي في مسائل النهي: (ص409) من هذا الكتاب.
(2)
انظر: "مجموع الفتاوى"(19/296، 297) .