الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمقصود بالشرط ههنا الشرط اللغوي (1)، مثل قوله تعالى:{لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 11](2) .
والمراد بالصفة هنا ما هو أعم من الصفة المعروفة عند النحاة، بل الصفة هي ما أشعر بمعنى يتصف به أفراد العام سواء كان الوصف نعتًا، أو عطف بيان، أو حالاً، مثل قوله تعالى: من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25](3) .
ومثال البدل -بدل البعض من الكل- قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97](4) .
والمراد بالغاية: أن يأتي بعد اللفظ العام حرف من أحرف الغاية مثل: "حتى"، كما في قوله سبحانه:{وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222](5) .
المسألة السابعة: تعارض الخاص والعام
صورة هذه المسألة: أن يرد الخاص مخالفًا للعام في الحكم؛ بحيث يلزم من العمل بأحدهما إلغاء الآخر، فيكون العمل بهما معًا في آنٍ واحد متعذرًا.
مثال ذلك: قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5] فإنه خاص، مع قوله تعالى:{وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221] فإنه عام.
أما إذا ورد الخاص موافقًا للعام بمعنى أنه قد أفرد فرد من أفراد العام بالذكر فإن الخاص - والحالة كذلك - لا يخصص العام.
ذلك أن تخصيص الخاص بالذكر لا يمنع شمول العام لغيره، إذ تخصيص الخاص بالذكر قد يكون لمزية فيه اقتضت النص عليه.
(1) انظر أقسام الشرط فيما تقدم (316) من هذا الكتاب.
(2)
انظر: "روضة الناظر"(2/190) ، و"شرح الكوكب المنير"(3/340) ، و"مذكرة الشنقيطي"(218) .
(3)
انظر: "شرح الكوكب المنير"(3/347) ، و"مذكرة الشنقيطي"(218) .
(4)
انظر: "شرح الكوكب المنير"(3/354) ، و"مذكرة الشنقيطي"(218، 219) .
(5)
انظر: "شرح الكوكب المنير"(3/349) ، و"مذكرة الشنقيطي"(218) .
ثم إنه لا تعارض بين الخاص والعام، والعمل بهما معًا ممكن، فالمصير إليه أولى (1) .
مثال ذلك قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ} [الأنعام: 151] . فتخصيص النهي عن القتل حال الفقر بالذكر وقع للحاجة إلى معرفته مع كون المسكوت عنه أولى بالحكم وهو القتل مع الغنى واليسار (2) .
فالحاصل: أن ذكر الخاص بعد العام قد يكون لنكتة اقتضت تخصيصه بالذكر كما في المثال السابق، وقد يكون لبيان اختصاص المذكور بالحكم ونفيه عما عداه كما في قوله صلى الله عليه وسلم:«في سائمة الغنم الزكاة» (3) ، إذ تخصيص وجوب الزكاة بسائمة الغنم يدل على أن هذا الحكم خاص بها وأن المعلوفة غير السائمة لا زكاة فيها، وهذا ما يعرف بمفهوم المخالفة كما سيأتي بيانه (4) .
وأما إذا ورد الخاص مخالفًا للعام -وهو المقصود بحثه في هذه المسألة- فلا يخلو المقام من الأحوال الآتية (5) :
أن يُعلم التاريخ فيعلم:
اقتران الخاص بالعام.
أو يعلم تقدم العام وتأخر الخاص عنه.
أو يعلم تقدم الخاص وتأخرُ العام عنه.
أو لا يعلم التاريخ فلا يعلم تقدم أحدهما على الآخر.
وعلى كل فإن العام - في جميع الأحوال السابقة - يحمل على الخاص، بمعنى أن الخاص يقدم على العام ويخصصه، ويبقى العام على عمومه فيما
(1) انظر: "مجموع الفتاوى"(17/506) ، و"بدائع الفوائد"(2/217) ، و"شرح الكوكب المنير"(3/386، 387) .
(2)
انظر: "مجموع الفتاوى"(21/209) .
(3)
رواه البخاري بمعناه: (3/317) برقم (1454) ، من كتاب أبي بكر رضي الله عنه، ولفظه:"وفي صدقة الغنم في سائمتها".
(4)
انظر: "مجموع الفتاوى"(15/446) وانظر (ص 458، 459) من هذا الكتاب.
(5)
انظر: "شرح الكوكب المنير"(3/382) .
عدا صورة التخصيص. هذا هو مذهب الجمهور، وعلى ذلك نهج الصحابة رضي الله عنهم والتابعون (1) .
ومن الأدلة على تقديم الخاص على العام مطلقًا في جميع الأحوال:
أولاً: أن في تقديم الخاص عملاً بكلا الدليلين، فالخاص يعمل به كاملاً، وذلك في صورة التخصيص، والعام يعمل ببعضه وذلك فيما عدا صورة التخصيص.
بخلاف تقديم العام على الخاص؛ فإنه عمل بأحد الدليلين وهو العام، وإهدار للآخر وهو الخاص.
والعمل بكلا الدليلين – ولو من بعض الوجوه – أولى من العمل بأحدهما وإهمال الآخر (2) .
يقول ابن تيمية: «ومعلوم من الأصول المستقرة إذا تعارض الخاص والعام فالعمل بالخاص أولى؛ لأن ترك العمل به إبطال له وإهدار، والعمل به ترك لبعض معاني العام» (3) .
ثانيًا: أن الظاهر والغالب فيما إذا ورد عام وخاص أن المراد بالعام ما عدا الخاص (4) .
قال ابن تيمية: «وليس استعمال العام وإرادة الخاص ببدع في الكلام؛ بل هو غالب كثير» (5) .
وقال ابن القيم: «والنص العام لا يتناول مورد الخاص ولا هو داخل تحت لفظه، ولو قدر صلاحية لفظه له فالخاص بيان لعدم إرادته، فلا يجوز تعطيل حكمه وإبطاله، بل يتعين إعماله واعتباره، ولا تضرب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض.
وهذه القاعدة أولى من القاعدة التي تتضمن إبطال إحدى السنتين وإلغاء
(1) انظر: "الفقيه والمتفقه"(1/107) ، و"روضة الناظر"(2/161) ، و"شرح الكوكب المنير"(3/382) ، و"مذكرة الشنقيطي"(222) .
(2)
انظر: "إعلام الموقعين"(2/343) .
(3)
"مجموع الفتاوى"(21/552) .
(4)
انظر: "نزهة الخاطر العاطر"(2/165) .
(5)
"مجموع الفتاوى"(21/552) .
أحد الدليلين. والله الموفق» (1) .
ثالثًا: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقدمون الخاص على العام (2) ، ولا ينظرون إلى التاريخ ولا يستفصلون عما إذا كان العام متقدمًا أو متأخرًا (3) .
قال الشنقيطي: «ومن تتبع قضاياهم [أي الصحابة] تحقق ذلك عنهم» (4) .
رابعًا: أن دلالة الخاص أقوى من دلالة العام (5) .
قال الخطيب البغدادي: «والواجب في مثل هذا أن يُقضى بالخاص على العام لقوته؛ فإن الخاص يتناول الحكم بلفظ لا احتمال فيه، والعام يتناوله بلفظ محتمل فوجب أن يُقضى بالخاص عليه» (6) .
****
(1)"إعلام الموقعين"(2/343) .
(2)
من الأمثلة على ذلك أن فاطمة رضي الله عنها جاءت إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله ميراثها مما ترك أبوها صلى الله عليه وسلم عملاً بعموم قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11]، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» . فلم يعطها شيئًا. انظر القصة في "صحيح البخاري"(6/196، 197) برقم (3092، 3093) ، (7/336) برقم (4035) ، و"صحيح مسلم"(12/76) وما بعدها.
(3)
انظر: "قواطع الأدلة"(1/371، 372) ، و"روضة الناظر"(2/164) ، و"شرح الكوكب المنير"(3/383) ، و"نزهة الخاطر العاطر"(2/164) .
(4)
"مذكرة الشنقيطي"(223) .
(5)
انظر: "روضة الناظر"(2/164، 165) ، و"مجموع الفتاوى"(21/552) ، و"مختصر ابن اللحام"(123) ، و"شرح الكوكب المنير"(3/384) ، و"نزهة الخاطر العاطر"(2/161) ، و"مذكرة الشنقيطي"(223) .
(6)
"الفقيه والمتفقه"(1/107) .