الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى: تعريف القياس
القياس لغة (1) : التقدير، ومنه قولهم: قست الثوب بالذراع، إذا قدرته به.
والقياس: المساواة، يقال: فلان لا يقاس بفلان؛ أي: لا يساويه.
وفي اصطلاح الأصوليين يمكن تعريفه بأنه: "حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما"(2) .
وبهذا التعريف يتضح أن للقياس أربعة أركان (3) :
الركن الأول: الأصل، وهو المقيس عليه.
الركن الثاني: الفرع، وهو المراد إلحاقه بالأصل المقيس عليه وحمله عليه.
الركن الثالث: حكم الأصل، وهو الوصف المقصود حمل الفرع عليه.
الركن الرابع: الوصف الجامع، وهو العلة الجامعة بين الأصل والفرع المقتضية للحمل.
المسألة الثانية: أقسام القياس
ينقسم القياس إلى أقسام متعددة بعدة اعتبارات:
أولاً: باعتبار قوته وضعفه ينقسم القياس إلى جلي وخفي (4) .
(1) انظر: "لسان العرب"(6/187) ، و"المصباح المنير"(521) ، و"شرح الكوكب المنير"(4/5) .
(2)
انظر: "روضة الناظر"(2/227) ، و"قواعد الأصول"(79) ، و"مختصر ابن اللحام"(142) ، و"مذكرة الشنقيطي"(243) .
(3)
انظر: "الفقيه والمتفقه"(2/210) ، و"روضة الناظر"(2/228، 303) ، و"قواعد الأصول"(80، 81) ، و"مختصر ابن اللحام"(142) ، و"مذكرة الشنقيطي (243، 271) .
(4)
انظر: "الرسالة"(513) ، و"جامع بيان العلم وفضله"(2/74) ، و"روضة الناظر"(2/254 - 257) ، و"مجموع الفتاوى"(21/207) ، و"مختصر ابن اللحام"(150) ، و"شرح الكوكب المنير"(14/207، 208) ، و"مذكرة الشنقيطي"(250) .
فالقياس الجلي: ما قُطع فيه بنفي الفارق المؤثر، أو كانت العلة فيه منصوصًا أو مجمعًا عليها، فهذه ثلاث صور.
وهذا النوع من القياس لا يُحتاج فيه إلى التعرض لبيان العلة الجامعة، لذلك سُمي بالجلي، وذلك مثل قياس إحراق مال اليتيم وإغراقه على أكله في الحرمة الثابتة في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] .
وهذا النوع من القياس متفق عليه، وهو أقوى أنواع القياس لكونه مقطوعًا به، وقد اختلف في تسميته قياسًا كما سيأتي بيان ذلك في الكلام على مفهوم الموافقة (1) .
والقياس الخفي: ما لم يُقطع فيه بنفي الفارق ولم تكن علته منصوصًا أو مجمعًا عليها، وذلك مثل قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب القصاص.
فهذا النوع لا بد فيه من التعرض لبيان العلة وبيان وجودها في الفرع، فيحتاج إلى مقدمتين:
المقدمة الأولى: أن السكر مثلاً علة التحريم في الخمر، فهذه المقدمة إنما تثبت بأدلة الشرع، وهي مسالك العلة الآتي بيانها (2) .
المقدمة الثانية: أن السكر موجود في النبيذ، فهذه المقدمة يجوز أن تثبت بالحس والعقل والعرف وأدلة الشرع.
وهذا النوع متفق على تسميته قياسًا.
ثانيًا: باعتبار علته ينقسم القياس إلى ثلاثة أقسام (3) :
(1) انظر (ص451) من هذا الكتاب.
(2)
انظر (ص202) من هذا الكتاب.
(3)
انظر: "إعلام الموقعين"(1/133) وما بعدها، و"مختصر ابن اللحام"(150) ، و"شرح الكوكب المنير"(4/209، 210) ، و"مذكرة الشنقيطي"(270، 271) . وقد زاد البعض قسمًا رابعًا وهو قياس الشبه. انظر: "قواعد الأصول"(92، 93) وانظر الكلام على قياس التشبه في (ص 195) من هذا الكتاب.
القسم الأول: قياس العلة، وهو: ما صرح فيه بالعلة فيكون الجامع هو العلة، وذلك كقوله تعالى:{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] .
يعني: هم الأصل، وأنتم الفرع، والعلة الجامعة التكذيب، والحكم الهلاك.
والقسم الثاني: قياس الدلالة، وهو: ما لم تُذكر فيه العلة، وإنما ذُكر فيه لازم من لوازمها؛ كأثرها أو حكمها فيكون الجامع هو دليل العلة، وذلك كقوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39] .
فالأصل القدرة على إحياء الأرض، والفرع القدرة على إحياء الموتى، والعلة هي عموم قدرته سبحانه وكمال حكمته، وإحياء الأرض دليل العلة.
والقسم الثالث: القياس في معنى الأصل، وهو: ما كان بإلغاء الفارق فلا يحتاج إلى التعرض إلى الجامع، وذلك كإلحاق الضرب بالتأفيف، وهذا القسم هو القياس الجلي؛ ويسمى: بمفهوم الموافقة.
ثالثًا: وينقسم القياس إلى: قياس طرد، وقياس عكس (1) .
فقياس الطرد: ما اقتضى إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه (2) .
وقياس العكس: ما اقتضى نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه.
ومثال هذين القسمين يوضحه ابن تيمية بقوله:
"وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس؛ فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يُعلم أن من فعل
(1) انظر: "مجموع الفتاوى"(9/239، 20/504) ، و"إعلام الموقعين"(1/160) وما بعدها، و"شرح الكوكب المنير"(4/8) وما بعدها.
(2)
وقد يراد بقياس الطرد ما كان وصفه طرديًا غير مناسب لترتيب الحكم عليه، وهذا المعنى غير مقصودٍ ههُنا. انظر:"قواعد الأصول"(93) ، و"مذكرة الشنقيطي"(264) ، وانظر فيما يتعلق بالوصف الطردي (ص195) من هذا الكتاب.
مثل ما فعلوا، أصابه مثل ما أصابهم، فيتقي تكذيب الرسل حذرًا من العقوبة، وهذا قياس الطرد، ويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك، وهذا قياس العكس" (1) .
رابعًا: ينقسم القياس باعتبار محله إلى الأقسام التالية:
أ- القياس في التوحيد والعقائد (2) :
اتفق أهل السنة على أن القياس لا يجري في التوحيد إن أدى إلى البدعة والإلحاد، وتشبيه الخالق بالمخلوق، وتعطيل أسماء الله وصفاته وأفعاله.
وإنما يصح القياس في باب التوحيد إذا استدل به على معرفة الصانع وتوحيده، ويستخدم في ذلك قياس الأولى، لئلا يدخل الخالق والمخلوق تحت قضية كلية تستوي أفرادها (3) {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى} [النحل: 60] ، ولئلا يتماثلان أيضًا في شيء من الأشياء (4) {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] .
بل الواجب أن يُعلم أن كل كمالٍ –لا نقص فيه بوجه– ثبت للمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص وجب نفيه عن المخلوق فالخالق أولى بنفيه عنه.
ب- القياس في الأحكام الشرعية (5) :
منع البعض إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية، لأن في الأحكام ما لا يعقل معناه فيتعذر إجراء القياس في مثله.
وهذا غير صحيح؛ بل كل ما جاز إثباته بالنص جاز إثباته بالقياس، لأنه ليس في هذه الشريعة شيء يخالف القياس.
(1)"مجموع الفتاوى"(9/239) .
(2)
انظر: "جامع بيان العلم وفضله"(2/74) ، و"الفقيه والمتفقه"(2/209) ، و"مجموع الفتاوى"(12/349، 350) ، و"إعلام الموقعين"(1/68) وانظر (ص 476) من هذا الكتاب.
(3)
المراد بذلك القياس الشمولي – ويسمى القياس الاقتراني – وهو ما اشتمل على النتيجة أو نقيضها، بالقوة لا بالفعل. انظر:"تسهيل المنطق"(48) .
(4)
المراد بذلك القياس التمثيلي، وهو إثبات حكم في جزئي معين لوجوده في جزئي آخر لأمر مشترك بينهما. انظر "تسهيل المنطق"(55) .
(5)
انظر: "مجموع الفتاوى"(19/288، 289) ، و"إعلام الموقعين"(1/205، 2/3) ، و"شرح الكوكب المنير"(4/224، 225) .
قال ابن تيمية: "ومن كان متبحرًا في الأدلة الشرعية أمكنه أن يستدل على غالب الأحكام بالنصوص وبالأقيسة"(1) .
وقال ابن القيم: ".... فهذه نبذة يسيرة تطلعك على ما وراءها من أنه ليس في الشريعة شيء يخالف القياس، ولا في المنقول عن الصحابة الذي لا يعلم لهم فيه مخالف، وأن القياس الصحيح دائر مع أوامرها ونواهيها وجودًا وعدمًا"(2) .
خامسًا: باعتبار الصحة والبطلان ينقسم القياس إلى صحيح وفاسد ومتردد بينهما:
فالصحيح: هو ما جاءت به الشريعة في الكتاب والسنة، وهو الجمع بين المتماثلين، مثل أن تكون العلة موجودة في الفرع من غير معارض يمنع حكمها، ومثل القياس بإلغاء الفارق. والفاسد ما يضاده (3) .
قال ابن تيمية: "وكل قياس دل النص على فساده فهو فاسد، وكل من ألحق منصوصًا بمنصوص يخالف حكمه فقياسه فاسد، وكل من سوى بين شيئين أو فرق بين شيئين بغير الأوصاف المعتبرة في حكم الله ورسوله فقياسه فاسد"(4) .
والقسم الثالث: هو القياس المتردد بين الصحة والفساد فلا يقطع بصحته ولا بفساده، فهذا يتوقف فيه حتى يتبين الحال فيقوم الدليل على الصحة أو الفساد (5) .
- فلفظ القياس إذن لفظ مجمل يدخل فيه الصحيح والفاسد (6) .
- لذلك لا يصح إطلاق القول بصحته أو ببطلانه (7) .
- ولهذا أيضًا تجد في كلام السلف ذم القياس وأنه ليس من الدين، وتجد في كلامهم أيضًا استعماله والاستدلال به، وهذا حق وهذا حق.
(1)"مجموع الفتاوى"(19/289) .
(2)
"إعلام الموقعين"(2/71) .
(3)
انظر: "مجموع الفتاوى"(20/504، 505) ، و"إعلام الموقعين"(1/133، 2/3، 4) .
(4)
"مجموع الفتاوى"(19/287، 288) .
(5)
انظر المصدر السابق (19/288) .
(6)
انظر المصدر السابق (20/504) ، و"إعلام الموقعين"(2/3) ، و"ملحق القياس من مذكرة الشنقيطي"(354) وما بعدها.
(7)
انظر: "مجموع الفتاوى"(19/288) .