الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ديارهم خراباً. و"إلا قليلاً" أي قليلاً من السكنى. وذلك ما كان يفعله المربي الصالح العالم الفقيه الشيخ محرز بن خلف الصديقي (1) حين ينزل بأطلال قرطاجنة للموعظة. يشهد لهذا شعره في هذا الغرض:
مررت بِرَبْع بالسراب تلفّعا
…
وطود جلال بالخطوب تصدّعا
فقلت وقد أجرت جفوني أدمعا
…
خليلي مرّا بالمدينة واسمعا
مدينة قرطاجَنَّة ثم ودّعا
ومما اشتملت عليه الفقرة الثانية من التعليق، ذكر ارتباط "أن يصيبكم" بـ "باكين" والتنبيه على أن هذا الحديث غير موجود في موطأ الليثي. وأن التقنّع كان من الرسول صلى الله عليه وسلم لكمال كراهيته آثار الظالمين. فهو يأبى أن يراها، ولذلك لم يأمر به. وختم المؤلف هذه الإفادات بالإشارة إلى حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الشرب من آبار الحجر عدا البئر التي شربت منها ناقة صالح. وهو ما سبق لهم الحديث عنه عند تعليقه على باب قول الله تعالى:{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} (2).
* * *
السابع: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا}
(3)
قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختفٍ بمكة كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن. فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به. فقال الله تعالى لنبيه: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، {وَلَا تُخَافِتْ
(1) محمد النيفر. عنوان الأريب: 1/ 35 - 37.
(2)
النظر الفسيح: 206 - 208.
(3)
الإسراء: 110.
بِهَا} عن أصحابك، فلا تسمعهم، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} (1).
هذا الخبر ليس مروياً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه بيان من ابن عباس رضي الله عنهما للآية. وقد اشتمل عليه التعليق كما في الحديث السادس السابق، وجعله المؤلف فقرتين أيضاً.
الأولى: في النهي عن سبّ المشركين لتجنيبهم سبّ القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فإنهم كفروا بما هو أشد وأقطع من قول وفعل، ولكن لما في النهي من سدّ لذريعة السبّ، فلا يزدادون كفراً ولا يزدادون قسوة في قلوبهم ولا نفوراً عن الإسلام. فإن ذلك يتعارض مع أصل الدعوة والرسالة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مرغباً لا منفّراً. وينظر قوله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ
…
} إلى قوله عز وجل: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (2). وبالرغم من كون سبّ آلهتهم قربة، نهى الله رسوله عنها لأنّها ذريعة لازدياد كفرهم وتصلّبهم فيه.
وفي بيان معنى الاختفاء بمكة يريد به على وجه الاستعارة: الانزواء والاستضعاف، إذ ليس المقصود منه الاختفاء الحقيقي لمنافاته لقوله: فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته.
والثانية: نقل لما ورد ببعض النسخ الأم من التعليق بما نصه: قال الفربري: قال محمد بن عياش: هُشيم صاحب تدليس. وفي أخرى قال محمد بن عباس: وابن عياش هذا غير معروف لديَّ. وهو لا محالة أحد أصحاب البخاري المتقدمين على الفربري ومن جاء بعده (3).
* * *
(1) 65 كتاب التفسير، 14 باب: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها. خَ: 5/ 229.
(2)
الأنعام: 108.
(3)
النظر الفسيح: 254 - 256.