الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والثالث: قول ابن رشيق في قتال البحر:
ولقد ذكرتك في السفينة، والردى
…
متوقّع بتلاطم الأمواج
وعلى السواحل للأعادي غارة
…
وأنا وذكرك في ألذّ تناج
والرابع: قول ابن زيدون في التذكّر عند ساعات السرور. وهو من أجود ما قيل في الذكر:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا
…
والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا
وهكذا جاء تصرّفه في عرض الأساليب والأغراض في توجيه الخطاب جمعاً واستنتاجاً، اعتماداً على روايته الواسعة للشعر، ومعرفته بالطرق فيه، غير مقتصر في شواهده على الجاهلي وشعراء الحماسة والمفضليات، بل متناولاً من ذلك ما جادت به قرائح المُوَلَّدين من نقاد وشعراء في بلاد المغرب والأندلس (1).
* * *
2 - الجزالة
أدرجت المجلة الزيتونية هذه المقالة في باب اللغويات في الأدب. وعذرها في ذلك أن الشيخ صاحب المقالة بدأ بتتبع هذه الكلمة والبحث عن مدلولها فيما رجع إليه من كلام أئمة النقد وصناعة الإنشاء والشعر. ثم ختم جولته في مراجعاته بقوله: فلم أر منهم من أفصح عن مقومات هذه الصفة وشرائط حصولها، وأنا أبذل مبلغ جهد الفكر في الكشف عن مفاد هذا الوصف، وأقدم ما هو منه وصف للفظ ثم أتبعه بما هو وصف للمعنى. وفي هذا الكلام إشارة إلى أن الآراء لم تتفق على وصفيتها للفظ أم للمعنى أم لهما معاً.
(1) م. ز: 4/ 9، 207 - 213.
والحق أن الوصف بها ورد للفظ كما ورد للمعنى. فقد ذكر ابن منظور في اللسان أنها من محاسن اللفظ فقال: الكلام الجزل القوي الشديد، واللفظ الجزل خلاف الركيك.
وجعلها المرزوقي من صفات المعاني فقال في مقدمة شرحه لديوان الحماسة: فطلبوا المعاني العجيبة من خواص أماكنها وانتزعوها جزلة عذبة. وبمعنى الغلظ والقوة جاءت في الحديث: "اجمعوا لي حطباً جزلاً"، كما وصفوا بها الرأي فقالوا: أجزل الرأي أي جيِّدُه. ونعتوا بها الذات كما جاء في الحديث: "قامت امرأة منهن جزلة" أي تامة الخلْق.
واعتباراً لهذه الاستعمالات قال الإمام: إن الجزالة وصف للفظ مأخوذة من صفات الناس، إذ الجزالة في الإنسان هي جودة رأيه وكمال عقله وإتقان فهمه. فبها يكون الإنسان جزلاً أي كامل الإنسانية. وقريب من هذا ما شرطه الفقهاء في القاضي أن يكون ذا جزالة رأي.
ثم خلص من هذا إلى استعراض آراء النقاد والشعراء في ذلك، فاستشهد بكلام ابن رشيق وعبد القاهر وابن شرف وابن هاني الأندلسي وابن الأثير والعكبري. فابن رشيق أورد في العمدة ذكر الجزالة وعطفها على الفخامة. قال: منهم قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته على مذهب العرب من غير تصنّع كقول بشار:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية
…
هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما (1)
وأوردها ثانية توءماً للرشاقة. فقال: وشبه قوم أبا نواس بالنابغة لِما اجتمع له من الجزالة مع الرشاقة (2).
(1) ابن رشيق. العمدة: 80 ط أمين بمصر.
(2)
ابن رشيق. العمدة: 82 ط أمين بمصر.
ووصف عبد القاهر الجرجاني الجزالة فقال: من البراعة والجزالة وشبههما ما ينبىء عن شرف النظم. وقال عن النظم: أن تقتفي في نظم الكلِمِ آثارَ المعاني وترتّبَها على حسب ترتّب المعاني في النفس (1).
وفي رسالة الانتقاد لابن شرف القيرواني عند وصفه شعر لبيد: أنه ينطق بلسان الجزالة عن جنان الأصالة، فلا تسمع إلا كلاماً فصيحاً، ومعنى مبيناً صريحاً (2).
وقال ابن هاني الأندلسي واصفاً المباني أو الألفاظ بالجزالة: إلا أنه إذا ظهرت معانيه في جزالة مبانيه رمى عن منجنيق يؤثر في النيق (3).
ووازن ابن الأثير في المقالة الأولى من المثل السائر عند حديثه عن الصناعة اللفظية قائلاً: جاءت لفظة واحدة في آية وفي بيت. أمّا التي في الآية فكلمة يؤذي في قوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ} . وأما التي في بيت، ففي قول المتنبي:
تلذ له المروءة وهي تؤذي
…
ومن يعشق يلذّ له الغرام
جاءت كلمة يؤذي في القرآن جزلة متينة، وفي شعر أبي الطبيب ركيكة ضعيفة حطّت من قدر البيت لضعف تركيبها بقدر ما كان موقعها حسناً في الآية (4).
وفي كليات أبي البقاء العكبري نقرأ: الجزالة إذا أطلقت على اللفظ يراد به نقيض الرقّة.
وهكذا نجد في كلام ابن الأثير وكلام أبي البقاء اختلافاً بيّناً
(1) عبد القاهر. دلائل الإعجاز: 149.
(2)
رسائل البلغاء. تحقيق محمد كرد علي: 344.
(3)
رسائل البلغاء. تحقيق محمد كرد علي: 251.
(4)
ابن الأثير. ط بولاق: 88.
حيث جعل الأول الجزالة في مقابل الركاكة، وجعلها الثاني مقابلة للرقّة، ويلخّص ابن عاشور هذه الاستعمالات بقوله:
قد رأيتهم يقابلون الجزالة مرّة بالرقّة، ومرّة بالركاكة، ومرّة بالضعف، ومرّة بالكراهة. فتحصّل لنا من معنى الجزالة أنها كون الألفاظ التي يأتي بها البليغ، الكاتب والشاعر، ألفاظاً متقاربة في استعمال الأدباء والبلغاء، سالمة من ركاكة المعنى، ومن أثر ضعف التفكير، ومن التكلّف، ومما هو مستكره في السمع عند النطق بالكلم أو الكلام. فهذه الجزالة صفة مدح. وأتبع هذا التعريف بنقد بعض النصوص والاستعمالات الموسومة بالركاكة، وجعل من هذا بيتاً للخوارزمي يخاطب بديع الزمان خطابَ مفاخرة. وذلك قوله:
وإذا قرضت الشعر في ميدانه
…
لا شك أنك يا أخي تتشقق
وخالف الإمام بين الجزالة والرقّة ضارباً المثل لكل من اللونين، ومنبّهاً إلى أن لكل واحدة من هذين مقاماً يليق بها. فالجزالة تناسبها الشدة كالرثاء أو الحماسة، وتستعمل الرقة أو يلجأ إليها في النسيب والزهريات والملَح لما فيها من لين ولطافة.
ويختم كلامه عن الجزالة بالتنبيه إلى أنها من أوصاف المباني والمعاني جميعاً قائلاً: والجزالة من صفات الألفاظ باعتبار المعاني. ويظهر تصرّف البليغ في صناعتها بالخصوص في صوغه المعاني التي يصوغها في نفسه من مجاز واستعارة وتمثيل وتشبيه وكناية وأنواع البديع. وأما المعاني الوضعية فتأتي بطبع سياق الكلام، وتأتي في الألفاظ تبعاً للمعاني. وعلى هذا الاعتبار ينبني وصفهم المعنى بالجزالة (1).
* * *
(1) المجلة الزيتونية: 6/ 9، 344 - 345.