الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المراد بالواصل المرأة تَفْجُر في شبابها ثم تصل ذلك بالقيادة (1). قال الشيخ ابن عاشور: وقد كانت تتخذ من هذا التزيين سمة لها، وجرت العواهر والمشركات على ذلك. وإلا فلو فرضنا هذه منهياً عنها لما بلغ النهي إلى حد لعن فاعلات ذلك. وليس من تغيير خلق الله التصرفُ في المخلوقات بما أذن الله فيه، ولا ما يدخل في معنى الحُسن
…
وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنما يكون إثماً إذا كان فيه حظ من طاعة الشيطان (2).
وإذا عدنا إلى مقاصد الشريعة وجدنا الإمام الأكبر يقول في سياق حديثه في هذا الموضوع: ومن معنى حمل القبيلة على عوائدها في التشريع إذا روعي في تلك العوائد شيء يقتضي الإيجاب أو التحريم يتضح لنا دفع حيرة وإشكال عظيم يعرض للعلماء في فهم كثير من نهي الشريعة عن أشياء لا تجد فيها وجه مفسدة بحال مثل تحريم وصل الشعر للمرأة، وتفليج الأسنان، والوشم في حديث ابن مسعود
…
فإن الفهم يكاد يضلّ في هذا، إذ يرى ذلك صنفاً من أصناف التزيّن المأذون في جنسه للمرأة
…
فيتعجب من النهي الغليظ عنه. ووجهه عندي الذي لم أر من أفصح عنه أن تلك الأحوال كانت في العرب أمارات على ضعف حصانة المرأة. فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها أو عن التعرض لهتك العرض بسببها (3).
6 - تعدد الزوجات
في هذا الموضوع كلام مفصّل جليل لا يجوز أن يُنْحَرَف به إلى
(1) ابن حجر. فتح الباري: 10/ 375.
(2)
محمد الطاهر ابن عاشور. التحرير والتنوير، الآية 124: 5/ 206.
(3)
محمد الطاهر ابن عاشور. المقاصد: 269.
إباحة تعدد الزوجات أو منعه، وإنما هو الرخصة المقيّدة، تَحدَّثَ عن جميع ملابساتها الإمام الأكبر في تفسيره لقوله عز وجل:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} (1). وبذلك تحصَّل القول الفصل من كلامه في مفردات عديدة قصدها الشارع أو نبّه عليها، نقف عند بعضها لمزيد البيان. فمن ذلك: أحوال وأحكام النكاح في الجاهلية والإسلام، وتحديد عدد الزوجات وتوزيعه، وأهداف التعدد، والعدل بين النساء، والاكتفاء بالواحدة والاقتصار عليها لمن لا يستطيع العدل بينهن، أشار إلى المقارنة بين ما كان عليه الزواج في الجاهلية وما جاء به الإسلام بقوله: قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي وقتادة: كانت العرب تتحرَّج في أموال اليتامى ولا تتحرج في العدل بين النساء. فكانوا يتزوّجون العشرة فأكثر فنزلت الآية في ذلك. وعلى هذا القول فمحل الملازمة بين الشرط والجزاء إنما هو فيما تفرع عن الجزاء من قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}
…
وقال عكرمة: نزلت في قريش. كان الرجل يتزوج العشر فأكثر، فإذا ضاق ماله عن إنفاقهن أخذ مال يتيمة فتزوج منه.
وقال مجاهد: الآية تحذير من الزنى.
وليس قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} إثباتاً لمشروعية النكاح، لأن الأمر معلّق على حالة الخوف من الجَور في اليتامى، فهو إذن للإرشاد. ومشروعية النكاح ثابتة بالإباحة الأصلية لما عليه الناس قبل الإسلام مع إبطال ما لا يرضاه الدين كالزيادة على الأربع، ونكاح المقت، والمحرّمات من الرضاعة، والأمر بأن لا يخلو النكاح من الصداق.
(1) النساء: 3.
وتعدّد الزوجات مع التوزيع مثنى وثلاث ورباع يكون باعتبار اختلاف المخاطبين في السعة والطَّوْل، والزيادة على الأربع محرّمة بالسنة تمهيداً لشرع العدل بين النساء. فقد قال صلى الله عليه وسلم لغيلان بن مسلمة حين أسلم على عشر نسوة: أمسك أربعاً وفارق سائرهن. وظاهر الخطاب للناس يعم الحر والعبد عند مالك، وهو قول أبي الدرداء، والقاسم بن محمد، وسالم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومجاهد. وبه قال أبو داود خلافاً لأبي حنيفة والشافعي. وينسب التنصيف للعبد إلى عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وابن سيرين، والحسن.
وإنما شرع تعدّد الزوجات للقادر العادل لمصالح جمة: منها تكثير عدد الأمة بازدياد المواليد فيها، ومنها كفالة النساء اللائي هن أكثر من الرجال عدداً، ومنها الحيدة عن الزنى الذي حرمته الشريعة لما يجر إليه من الفساد في الأخلاق والأنساب وانتظام العائلات، ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق إلا للضرورة.
والاقتصار على الواحدة حق لمن يخاف عدمَ العدل بين الزوجات، أي عدم التسوية بينهن في النفقة، والكسوة، والبشاشة، والمعاشرة، وترك الضر عن كل ما يدخل تحت قدرة المكلف وطوقه دون ميل القلب.
وقوله: {فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} إشارة إلى الحكم الذي يسلم معه الإنسان من الجور. فإن التعدّد يعرّض المكلَّف إلى الجور، وإن بذل جهده في العدل لما في النفس من رغبات وغفلات. وهكذا يصبح الاقتصار على المرأة الواحدة ساداً لذريعة الجور، كما تتضمن الآية ترغيباً في الاقتصار على الواحدة تقليصاً للنسل وتقليلاً للنفقة فيبقيان على الزوج مالَه ويدفعان عنه الحاجة.