الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلسفة الأجرام في باب التشبيه، ويَرِدُ ذكر الحواس الباطنة في الفصل والوصل من علم البلاغة، ويختلط التصوّف بالفقه، وعلم الكلام بمبادي النحو عند تعريف لفظ الكلام، فيتناول القولُ بالمناسبة مبحثَ دلالة الكلام أهي وضعية أم عقلية (1). وتداخل العلوم هكذا، أوجب ربط بعضها ببعض ضيقاً في تلك المؤلّفات، وكثرةَ الخلاف في مسائلها، كما أورث بالانتقال من مادة إلى أخرى في نفس الدرسِ والحصة، وما يستوجبه هذا من تقديم وتذييل، شرودَ عقل التلميذ، وعدمَ فَهمه، وعجزَه عن مسايرة الشيوخ في تقريراتهم، والإفادة من جهودهم وتحريراتهم. ومما يلاحظ فيما ذكرنا أن من الخلط المشار إليه ما هو مادي علمي، ومنه ما هو منهجي تصوّري. وكلاهما يحتاج إلى تغيير وإصلاح في الكتب ومواد التدريس.
من اختلاط المسائل:
عرّف النحاة اللفظ بأنه الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية. وهذه العبارة واضحة الدلالة يفهمها التلميذ في يسر، ويسهل عليه حفظها، لكن الشارح أراد إبراز معارفه، ونسي أنه يتحدث في النحو مع تلامذة مبتدئين، فأتى بتعريف ثانٍ ليس هذا موضعه، ناقلاً عن المتكلمين قولهم:"اللفظ حركة في اللسان يخلقها الله عند حاجة المتكلم"، ويتبعه المحشِّي مؤكداً للتعريف الثاني الكلامي بقوله:"إن الشارح لم تزلّ به قدمه بل جرى على أصول الأشعري في الكسب". ويعقب الشيخ ابن عاشور على هذا كلِّه، مبدياً رأيه في هذا الصنيع قائلاً: "فجاءتك مسألة خلق الأفعال، والخلاف بين الأشعرية والمعتزلة والجبرية. كل هذا والتلميذ يَعُدّ
(1) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: 172.
ما في الجامع من أساطين، ويشيّع بنظره مساعي المارين، فإن شئت أن تعلم ما حصل من المسألة فاسأل العادّين، لأن التلميذ لم يعرف بعد معنى الكلام، فكيف به إلى دقائق علم الكلام" (1).
ومن أمثلة ذلك أيضاً ما يجري من تلقين مسائل التوحيد في مقدمات الكتب الفقهية. فهذا عبد الواحد بن عاشر 1040 يورد في نظمه المرشد المعين على الضروري من علوم الدين في حدوث العالم قوله:
[وذا محال] وحدوث العالم
…
من حدث الأعراض مع تلازم
وبالرغم من سهولة التعبير فإن إشاراته لا يدركها الأطفال ولا يَعُونها - ولو درّسها المدرس، وأوضحها الشارح - إلا بجهد وعنت. ومن يستطيع منهم فهم كلام مياره في شرحه وتعليل حقيقته حين يقول: وحدوث العالم
…
لما قدم في برهان الوجود حدوثَ العالم، ذكر هنا برهان ذلك؛ وهو ملازمته للأعراض الحادثة، فإن أجرام العالم يستحيل انفكاكها عن الأعراض، كالحركة والسكون. وهذه الأعراض حادثة بدليل مشاهدة تغيّرها. فلو كانت قديمة للزم أن لا تنعدم، لأن ما ثبت قِدَمُه استحال عدمه، وإذا ثبت حدوثها واستحال وجودها في الأول، لزم حدوث الأجرام واستحالة وجودها في الأزل قطعاً لاستحالة انفكاكها عن الأعراض، إذ حدوث أحد المتلازمين يستلزم حدوث الآخر ضرورة (2).
وإن في هذا الشرح إيغالاً أيضاً في استعمال الاصطلاحات التي لم يألفها التلميذ بعد.
(1) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: 171 - 172.
(2)
مياره: الدر الثمين والمورد المعين: 32 - 33.
ومن الخلط التصوّري المنهجي طريقة علماء المنطق المتجلّية في كتبهم عند تفصيلهم القول في اختلاف علمائهم في لزوم النتيجة للمقدمات. وهو الشأن في العاديّات، فيتساءلون أهذا الأمر عقلي أم عادي؟ ويبنون ذلك على مناهج المتكلّمين بمراعاة اصطلاحهم، ويُهَوّل على من يقول منهم: هو عقلي أو واجب، بأن فيه تحكيماً للعقل أو الإيجاب. وهما نزعتان ضالتان (1).
وقد يكون فساد التصوّر متولّداً عن تقديس من لا يستحق التقديس، وإنما هو العبد الصالح تظهر على يديه الكرامات، وهو معزول عن صفة العلم ومنازل العلماء. ومن هنا كان خطأ المِقَّرِي فيما رواه في كتابه الأزهار من تقويمه لمنزلة أبي الحسن الصّغيّر تعقيباً على ما رواه القَبَّاب عن الإمام ابن عرفة من قوله بشأنه: وكثيراً ما نجد في تقييد الشيخ أبي الحسن: "يؤخذ من هذه المسألة". فلا أدري صورة ذلك الأخذ ما هو؟ هل هو من طريق الاستقراء أو الاستنباط أو القياس أو المفهوم. وكل قسم من هذه الأقسام يفتقر إلى شرط، ولا شيء من ذلك
…
قال المقري: "لا يقع في ذهنك قصور الشيخ في قوله: "يؤخذ من هذه المسألة"
…
واعلم أرشدك الله أن الشيخ أبا الحسن كان إمام وقته في فقه المدوّنة، وهو المستقل برئاستها بعد شيخه الفقيه ابن راشد. ما أخذ عنه حتى ظهرت على يديه الكرامات الخارقة في شفاء أصحاب العلل المزمنة، وغير ذلك" (2).
ومن الدلائل على سقم هذا المنهج اعتمادهم كلام الصالحين
(1) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: 178.
(2)
المقري. أزهار الرياض: 3/ 32 - 33.
اعتماداً يقضون به على العلم. وربما نزّلوا كلامهم منزلة ما لا يقبل الطعن، كأخذهم أجوبة صاحب الإبريز التي يرويها عن شيخه الصالح عبد العزيز الدباغ (1) فيعتقدون أنها تمام مراد الله أو رسوله من كلامه المفسر فيها (2).
ومن فساد التصوّر أيضاً جعل العلم علمين: علم معرفة وخبرة ودراية، وعلم كشف. وقد يحمل على هذا الاعتقاد انتشار هذه الأفكار بين الناس واعتدادهم بها، في غفلة عن تعاطي الأسباب وتسلق المعرفة بالنظر وبذل الجهد. وإن من كبار العلماء من وقع في هذه الأوهام أو تسلطت عليه.
فهذا القطب الشيرازي 710 يقول في ديباجة شرحه للمفتاح: "إنه قد ألقي إليّ على سبيل الإنذار، من حضرة الملك الجبار، بلسان الإلهام، لا كوهم من الأوهام، حال نصب شبكة الغيبة، وهي حال بين النوم واليقظة، ما أورثني التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار السرور"(3). وقال سعد الدين التفتازاني 792 في شرح التلخيص عند حديثه عن الإعجاز وما يقرب منه، وتقريرِه ما عطف على حد الإعجاز:"ومما ألهمت بين النوم واليقظة"(4).
ولقد كان من ضعاف المشتغلين بالعلم، غير المتمكنين منه من كان يعتقد أن الأمر المشكل إذا رُئي في النوم ما يبيّنه، فقد فسّر بوجه لا يقبل الخطأ. فهم يرون الأحلام كشفاً، ويثقون بأنفسهم وهم نائمون بما كانوا يشكّون فيه وهم أيقاظ (5).
(1) عبد العزيز بن مسعود الدباغ: 1132.
(2)
محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: 162.
(3)
المرجع السابق نفسه.
(4)
المرجع السابق نفسه.
(5)
المرجع السابق نفسه.