الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو القائل الموقن بما يقول: إن مزية العلم، وشرفَ الانتساب إليه، أمرٌ بلغ من اليقين والضرورة مبلغاً يقصر عنه البيان، وينتقص قدرَه محاولةُ إقامة البرهان، بعد أن توّجه الله تعالى بكتابه الكريم، وهو الذي علّم من لم يكن يعلم، وزكّى رسوله بأنه على خلق عظيم، وصراط مستقيم فقال:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (1)، قولاً جعل طلب العلم، والحرصَ عليه، والاستزادة منه أعظم مطلوب لأشرف موجود. وهكذا كان العلم تاجَ نبوته، وشعارَ ملّته
…
وإني لأحمد الله على أن جعلني لا أتعلق بشيء من المناصب والمراتب تعلّقي بطلب العلم، ولا آنس برفقة ولا حديثٍ، أُنْسِي بمسامرة الأساتيذ والإخوان في دقائق العلم ورقائق الأدب، ولا حُبِّبَ إليّ شيءٌ ما حُبِّبتْ إليّ الخلوة إلى الكتاب والقرطاس، متنكّباً كل ما يجري حولي من المشاغل.
ج - حركة الإصلاح الشامل:
بعد هذه الكلمة الموجزة عن حياته، تولّينا الحديث عن حركة الإصلاح التي كان مترجَمُنا مسؤولاً عنها، وعن تحقيق نتائج جهوده فيها بإسناد رئاسة الجامع الأعظم له، وقيامه بما يعزّزها في المجالات المختلفة. فكان ما بين غابط وحاسد فيما ظهر فيه باعُه، وحقّقه من إنجازات رائعة، ارتفع بها ذكر الزيتونة في الداخل والخارج، وأصبحت تُدعى بين الكثير من الناس بالقبلة العلمية الإفريقية التي يقصد إليها أهل العلم ويؤمُّها الطلاب من أطراف البلاد.
وقد صوّرنا في هذا الباب ردود الفعل المتعاقبة، من ألوان
(1) سورة طه: الآية 114.
القمع والقهر والإذلال والمحق، التي قام بها في شدةٍ وعنفٍ المستعمرون، وجيشُ الاحتلال ضدَّ منزوعي السلاح المواطنين الذين لا يملكون من الأمر شيئاً. ومرّت إثر ذلك فترة كان يتربّص فيها التونسيون الدوائر بجنود الفرنجة انتقاماً لأنفسهم، ورداً على المظالم التي كانت تقوم بها سلطة الاحتلال الأجنبي من صنوف الإرهاب الحكومي المسلط على المواطنين المناهضين لقوى الغدر والبطش: يقطعون ألسنتهم، ويخلعون قلوبهم، ويبعثون في أجسامهم وأطرافهم الرعشة والرجفة.
وإنَّا إذا عُدنا إلى الإمام الأكبر الشيخ ابن عاشور المنحدر من تلك الأسرة المؤمنة، المحافظة، المتمسّكة بدينها وعقيدتها، وإلى ما يجمّلها به دينها من هداية ربانية أساسها التربية الدينية، نلفي من كبير أنجالها الاعتماد الدائم على الكتاب والسُّنة مصدري التوجيه والتشريع، وشعار الحق والصدق والعدل لدى المؤمنين. وقد ألفينا أقطاباً ساعدوه على ذلك من الداخل والخارج منهم الأساتذة: شيخ الإسلام الشيخ سالم بوحاجب ذاك المصلح الفقيه والإمام المحدّث والعالِم اللغوي الضليع، ثم الأستاذ الإمام محمد عبده الذي التقى به عند زيارته الثانية لتونس، وهو مَن هو الداعية إلى النهضة التي شملت الأمةَ وأقطارَ البلاد وامتدت خدماتها للتعليم بالأزهر، وإلى ترتيب وتنظيم وزارة الأوقاف المصرية، والقضاء الشرعي، وترتيب درجاته بما يضمن حقوق القضاة ومصالح المتقاضين.
وكانت معرفة شيخنا بالأستاذ الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية سابقة لقاءَه بما وقف عليه من مقالاته الدعوية والإصلاحية التي كانت تُنشر بمجلة العروة الوثقى. وهكذا أصبحت سيرته اللامعة