الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بتأخيره لمنافاة ذلك للاهتمام به، وثانياً لأن الاهتمام به تأتَّى باعتَبار الاهتمام بتقديمه على ذكر اسم الله، اعتداداً بأهمية الحمد العارضة في المقام، وإن كان ذكر الله في نفسه أهم.
والثالث: جريان العرب في أسلوبها، وعلماء البلاغة في تقريراتهم وتعليلاتهم، على تقديم الأهمية العارضة على الأهمية الأصلية، لأنها أمر يقتضيه المقام والحال، والآخر يقتضيه الواقع، ولأن ما كان الاهتمام به لعارض هو المحتاج للتنبيه على عارضه، إذ قد يخفى، بخلاف الأمر المعروف المقرر، فلا فائدة في التنبيه عليه بل ولا يُفيته التنبيه على غيره.
وقد عقّب هذا التقرير بأن واقع الجملة لا يساعده عليه. وإلا فكيف يصحّ أن يكون تقديم الحمد، وهو مبتدأ، مؤذناً بالاهتمام مع أنه الأصل، وشأن التقديم المفيد للاهتمام هو تقديم ما حَقّه التأخير. والجواب عن هذا أن معنى تقديمه هو قصد المتكلم للإتيان به مقدَّماً مع إمكان الإتيان به مؤخرًا، إذ قد ورد الوجهان {الْحَمْدُ لِلَّهِ} كما في الفاتحة، و {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ} كما في الجاثية (1).
* * *
2 - المستقيم
قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (2).
جاء في التحرير والتنوير تفسير المستقيم بالحق البيّن الذي لا تخلطه شبهة الباطل. فهو كالطريق الذي لا تتخلله ثنيات. ولبيان
(1) الجاثية: 36؛ محمد الطاهر ابن عاشور. التحرير والتنوير: 1/ 1، 158 - 159.
(2)
الفاتحة: 6.
الأصل في ذلك يقول: المستقيم اسم فاعل من استقام مطاوع قوّمته فاستقام. والمستقيم الذي لا عوج فيه ولا تعاريج. وأحسن الطرق الذي يكون مستقيماً وهو الجادة، لأنه باستقامته يكون أقرب إلى المكان المقصود من غيره، فلا يضل سالكه ولا يتردّد ولا يتحيّر. وفي هذا مقارنة للفظ مستعملٍ في حقيقته ومجازه. فالمستقيم في الآية مستعار للحق الذي بينا. قال ابن عباس: إن الصراط المستقيم دين الحق، ونقل عنه: أنه ملّة الإسلام. فكلامه يفسّر بعضه بعضاً. ونفى الشيخ أن يكون المراد أنهم لقّنوا الدعاء بطلب الهداية إلى دين مضى، وإن كانت الأديان الإلهية كلها صُرطاً مستقيمة.
ويحصر المؤلف هنا معنى الصراط المستقيم، فينبّه إلى أن التعريف فيه للعهد الذهني. فقد سألوا الهداية لهذا الجنس في ضمن فرد، وهو الفرد المنحصر في الاستقامة، لأن الاستقامة لا تتعدد. قال تعالى:{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} (1).
وقد يوجه هذا التفسير بحصول الهداية إلى الإسلام، وإنما علَّمهم الله هذا الدعاء لإظهار منّته. وهداهم سبحانه بما سبق من القرآن قبل نزول الفاتحة، ويهديهم بما لحق من القرآن والإرشاد النبوي بعد ذلك. وورد إطلاق الصراط المستقيم في القرآن على هذا الدين في قوله عز وجل:{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (2)، والهداية إلى الإسلام لا تقصر على ابتداء اتّباعه وتقلّده، بل هي مستمرة باستمرار تشريعاته وأحكامه بالنص وبالاستنباط. فيكون المراد عند الإمام من الصراط المستقيم: المعارف الصالحات كلها من اعتقاد وعمل، بأن يوفّقهم تعالى إلى الحق، وإلى التمييز بينه
(1) يونس: 32.
(2)
الأنعام: 161.