الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مع أبي الطيب في مكتبته
يدلُّ ولوعُ الإمام الأكبر بدواوين الشعر قديمِه وحديثِه على عنايته الفائقة بوجوه النظم، كما يفسِّر تطلُّعه إلى الوقوف على أجمل التصرّفات القولية لدى رواد القريض. فهو يتتبّعها، جامعاً للأشعار وباحثاً فيها، شارحاً لنصوصها وناقداً لها، محيطاً عن طريق ذلك بأسرار الصناعة لدى الأعشى والنابغة، ومعجباً بما تعرضه أفانين القول من إبداعات في شعر بشار، وأمثالٍ وابتكاراتٍ في نظم أبي الطيب.
وإذا كان انطلاقه في هذا كله من كتب اللغة والأدب، وعلوم العربية والبلاغة بما نبّه إليه العلماء من آراء وملاحظات فيما يعرضونه من شواهد يعتمدونها في تصحيح اللغة والاحتجاج بها، أو يلفتون النظر عند ذكرها إلى صور الإبداع المختلفة عند القدامى والمولدين في النظم ومجالاته، من مبان ومعان وأساليب، فإن الإمام الأكبر قد اختلف به الوضع مع المتنبي عمّا ألفه مع الثلاثة الذين سبقوه. فهو وإن كان قد سار مع أعلام النهضة والبيان المتقدّمين سيرةَ الباحث المستكشف للمادة، فهو، مع المتنبي، الدارسُ المنقِّب عن أحوال شخصيته، الناظِرُ في أقواله، مستعيناً في ذلك بما قدّمه العلماء من لغويين ونحاة ورجال أدب وبلاغة من شروح متعدّدة، وتعاليق ضافية، ودرس وتحليل لنظمه، اتضح بجميعها منهج أبي الطيب، واختلفت بسببها مواقف المؤرخين والنقاد منه.
أقبل الإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور من حين نشأته على حفظ مختارات من شعر المتنبي واستظهارها، وعلى ما ألفاه في المعهد، وفي البيت، وفي المجالس العلمية التي كان يشهدها، والمجالس الأدبية التي كان يغشاها، ثم على ما وجده بين يديه من كتب ودراسات ومراجع تشهد كلها بعناية أهل الأدب بشعر أبي الطيب وأدبه، وبجوانب حياته كلها، وتصوِّرُ مجتمعةً معالمَ أدب أبي الطيب، كاشفة عن أسرار نبوغه. وفي هذا ما يحملنا على أن نلج في صحبة شيخنا مكتبة المتنبي، لنرى ما كان متوافراً لديه منها من كتب قيمة ودراسات عميقة، هي الأساس في بناء شخصية الإمام الأدبية، كما كان للمَراجع والدراسات الشرعية أثرُها الكبير في جعله في هذا القرن نسيج وحده، وفريد عصره.
وإن ما سنذكره من تصانيف ومؤلّفات، مخطوطة كانت أو مصوّرة أو مطبوعة، ليشهد بما اكتملت به عناصر قدراته الذهنية وطاقاته الفكرية، إذ ألمّ أو كاد في مكتبة أبي الطيب بما نذكره وبما نكون قد أغفلنا ذكره من كتب ورسائل معروفة، وقف عليها أكثر الناس من شداة الأدب وطلاب علومه وفنونه.
فمن المراجع العامة التي كان بدون شك يتردَّدُ عليها للاستفادة منها: يتيمة الدهر للثعالبي، ووفيات الأعيان لابن خلكان، وتاريخ بغداد للخطيب، ونزهة الألباء لابن الأنباري، والأنساب للسمعاني، والإرشاد لياقوت، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي، وشذرات الذهب لابن العماد، والخزانة لعبد القادر البغدادي ونحوها.
وكان فيما يعود إلى حياة أبي الطيب وعقيدته وأخلاقه وشعره وعلاقاته وكثرة تنقله في البلاد يعود من حين إلى آخر إلى كتاب
الصبح المنبي عن حيثية المتنبي ليوسف البديعي، ولا ينسى الرجوع إلى الأدب المربي في حياة المتنبي لحسين حسني.
فإذا أردنا أن نتبين مدى اهتمامه بشعر أبي الطيب ولغته وتصرّفاته في نظمه وجدناه يتنقل بين مصادر ذلك: بين ابن جني في سِفريه الكبير والصغير، وأبي القاسم إبراهيم الإفليلي في شرحه لديوانه، وما كتبه أبو العلاء المعري على ديوانه: معجز أحمد، واللامع العزيزي. نضيف إليها شروح الواحدي، والتبريزي، ومرهف بن أسامة بن منقذ، وأبي عبد الله الحسن بن إبراهيم الأربلي الكوراني، وأبي البقاء العكبري، وغيرها من الشروح كشرح أبي تمام لمبارك بن أحمد الأربلي، وشرح البرقوقي.
وبقدر ما تكون هذه الشروح قد فتحت آفاق النظر والدرس لشعر المتنبي، فإنها لا تبلغ ما بلغته كتب النقد لشعره، وما بلغ إليه هو عن طريقها من شهرة. وإن ما تكمل به فرائد المصنّفات وجواهر التآليف في مكتبة المتنبي لهو تلك المجموعة التي شغلت الناس بفوائدها وأمتعتهم بروائعها، تحليلاً ومناقشة ومقارنة ونقداً. وهي خمسة أقسام:
القسم الأول منها يشمل:
1 -
الوساطة بين المتنبي وخصومه لأبي الحسن علي الجرجاني.
2 -
أبو الطيب المتنبي ما له وما عليه للثعالبي.
3 -
تنبيه الأديب على ما في شعر أبي الطيب من الحَسَن والمعيب لأبي كثير وجيه الدين الشافعي.
4 -
المنصف للسارق والمسروق منه لابن وكيع.
والقسم الثاني يعد مَرجعين:
1 -
الانتصار المنبي عن فضائل المتنبي لمحمد بن أحمد المغربي.
2 -
الاستدراك في الأخذ على المآخذ الكندية من المعاني الطائية لضياء الدين ابن الأثير.
والقسم الثالث فيه تحامل معلوم ومشهور على المتنبي. وهو:
1 -
الكشف عن مساوي المتنبي للصاحب بن عباد الطالقاني.
والقسم الرابع يكاد يتخصّص في الكشف عن سرقات المتنبي. وهو:
1 -
الإبانة عن سرقات المتنبي لفظاً ومعنى لأبي سعيد محمد بن أحمد العامدي.
2 -
سرقات المتنبي من أبي تمام لأبي محمد سعيد بن مبارك الدهان.
3 -
الرسالة الحاتمية في ذكر سرقات المتنبي وساقط شعره لمحمد بن الحاتمي البغدادي.
4 -
سرقات المتنبي ومشاكل معانيه لابن السراج الشنتريني. وهو قسم من كتابه جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب.
والقسم الخامس أو الأخير هو ما تناول بالشرح والنقد والمقارنة شعر المتنبي مع غيره من الشعراء السابقين، وما وضع فيه من تصانيف ودراسات، نذكر في مقدمتها:
1 -
الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهانى.
2 -
كتابي الفتح على أبي الفتح، والتجنّي على ابن جني، كلاهما في الرد على أول كتاب وضع في شرح المتنبي - وهو لابن جني - لمحمد بن حمد بن محمد بن فورجه البروجردي.
3 -
ومن أجل الكتب في هذا القسم؛ شرح المشكل من ديوان المتنبي لابن سيده.
وقد نشر عن أبي الطيب نحو أربعين كتاباً شارك بها عدد من الفحول في هذا العصر وقبله في التنويه به وتمجيده. نذكر من بينهم طه حسين والعقاد وعلماءَ كثيرين من العرب والأعاجم. وما أذيع لنا بتونس في السبعينات بعنوان: شعراء الخلود. ولقد قالوا عنه: "هو شاعرنا"، "وأشعر المحدثين المولدين"، "وأنه أقل غلواً في التشبيهات والمعاني من معاصريه". وربما بالغ هواة أدب المتنبي في إعظامه وتفخيمه. فبالغوا في تلك الأوصاف، وتجاوزوا حَدَّ الإسراف حتى فضّلوه على من تقدم عصرُهُ عصرَهُ، وأنشدوا فيه قول بعض السابقين ردّاً على خصومه:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
…
فالناس أعداء له وخصوم (1)
وقال أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع: "إن القوم لم يصفوا من أبي الطيب إلا فاضلاً، ولم يشهروا بالتفريط منه خاملًا، بل فضلوا شاعراً مُجيداً، وبليغاً سديداً. ليس شعره بالصعب المتكلّف، ولا اللين المستضعف، بل هو بين الدقة والجزالة، وفوق التقصير ودون الإطالة، كثير الفصول، قليل الفضول
…
ولقد قُلِّد الحَظوةَ الرافعة والشُّهرةَ الذائعة، والنفوس مولعة بالاستبدال والنقل، لَهِجة بالاستطراف والملل، ولكل جديد لذة" (2).
وممن أشاد بمفاخره في أكثر فصول كتابه في معالمه ومآمهه، تحريراته وتنويراته، حازم القرطاجني في كتابه منهاج البلغاء وسراج الأدباء عند تفصيله القول في المباني والمعاني والأساليب (3). كما
(1) ابن وكيع: 3.
(2)
ابن وكيع: 4 - 5.
(3)
انظر ذلك. حازم القرطاجني. المنهاج: 49/ 13، 57/ 3، 88/ 5، =
أبدع ابن رشيق حين قال: لا يُعرف شاعرٌ في العربية احتَفَل بنبوغه القدماءُ والمحدثون من العلماء والنقاد حفاوتهم بأبي الطيب. ولا أدلَّ على ذلك ممّا قيل بشأنه في ذكراه الألفية 1935، ومن إحياء منهجه أدبياً وعملياً بالشام على يد ناصف اليازجي، وبمصر من طريق البارودي وشوقي.
ويزيد في ذلك اعتدادُ أبي الطيب بنفسه، وعلوُّ همته، وانتشارُ شعره الذي أذاع مفاخره بمثل قوله:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
…
وأسمعت كلماتي من به صمم
وقوله:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي،
…
إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمِّراً
…
وغنّى به من لا يغنّي مغرِّدا
ولعل اعتداده ذلك بذاته وبأدبه هو الذي حمله على أن يشترط في مجلس سيف الدولة أن لا ينشد إلا قاعداً، فاستجهلوه وأجابوه إليه. فلما سمع سيف الدولة شعرَه حكم له بالفضل وعدّ ما طلبه استحقاقاً (1).
ولا نحتاج، بعد هذه العجالة، في التعريف بما كتب عن المتنبي، إلا أن نقف وقفتين قصيرتين تبرزان فرط عناية الإمام الأكبر بشعر المتنبي: أولاهما في الحديث عن بعض شروحه، والأخرى في
= 102/ 3، 110/ 17 وفي بقية الصفحات من الكتاب: 121، 135، 136، 141، 159 - 161، 164، 219، 223، 311، 313، 358، 368. وما ذكره من تعاليق على مجموعة من شواهد أبي الطيب.
(1)
الواضح: 10.
مشكل شعره والحديث عن سرقاته. وقد جاء في ترجمة شيخنا ذكر بعض تآليفه المخطوطة المتعلقة بشعر المتنبي وأدبه. فمن المخطوطات: تحقيقه لشرح القرشي على ديوان المتنبي، ومراجعات له تتعلق بكتابي معجز أحمد واللامع العزيزي، ومما طبع له: تحقيقه للواضح في شرح مشكلات المتنبي، ولسرقات المتنبي (1).
* * *
(1) ط. الدار التونسية للنشر.