الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عدداً من المؤلفات والمقالات المهمّة. فللشيخ رحمه الله كتابان مدرسيان في قواعد الإنشاء والخطابة وفي علوم البلاغة، وكتابان هامان في التحقيق أو التعليق على أكبر المصنفات البلاغية المعروفة بين كبار العلماء والطلاب بجامع الزيتونة. وبجانب هذه الجهود المباركة العلمية الناطقة بتفرّده في عصره بمثل هذه الاهتمامات نشير إلى مقالة له في هذا الفن، تتميّز بموضوع خاص يقع بين بحوث علوم البلاغة والدراسات الأدبية والنقدية.
أما الكتابان المدرسيان اللذان أعدّهما لتكوين النشء وشَحْذِ عقولهم بما يحتاجون إليه من قواعد، وتقويم ألسنتهم، وإيقاظ مواهبهم: فأصول الإنشاء والخطابة، وموجز البلاغة.
1 - أصول الإنشاء والخطابة
كان مترجمنا يمتلىء قلقاً وأسى من هبوط قدرات معاصريه من الشباب المتعلم عن مستوى الإبلاغ والإقناع، ودرجة الإبداع والتعجيب. فكان أكثرهم معنياً بالقواعد يجمعها، والمتون يستظهرها في مختلف فنون العلم، دون أن تكون قد تفتّقت بذلك مواهبهم في فنون القول، أو تهذّبت ملكاتهم في حُسن التعبير عما في نفوسهم. وإذا كانت جودة الكلام وحُسنُه من أهم ما يزدان به الطلاب ويتميّز به العلماء والشيوخ، فإنه يصبح من الضروري أن تتحرّك هذه القدرات الكامنة لديهم بضروب من النصيحة والتوجيه والتدريب والتمرين، لاستدراك ما فاتهم من كمالات. ولا يتم هذا إلا بالنظر والإمعان في كلام المبدعين من الكتاب والمترسّلين والشعراء والخطباء، وبالعمل على انتهاج مناهجهم والتأسّي بهم في هذه المجالات.
ولعل هذا الأمر هو الذي حدا بشيخنا إلى العناية بفن لم يكن
مقرراً للدراسة في عصره. وأمام تأكّد طلبه، واحتياج أهل العلم والأدب إليه، وضع رسالة فيه، كانت حاملة الطلاب على الانتباه لأصول الإنشاء والخطابة في فن الأدب، ودافعة بالواقفين عليها والمحيطين بضوابطها والمتأثّرين بنماذجها إلى محاولة الإسهام في مجالي الإنشاء والخطابة.
صدر عنه كتاب أصول الإنشاء والخطابة سنة 1339/ 1920 - 1921.
وكان هدفه من تأليفه أن يبلغ بالمتعلّم إلى الإفصاح عن مراده، كتابة أو قولًا، من أقرب طريق، وإلى سلوك سبيل الإفهام بأحسن ما يستطاع من التعبير (1). ولتحقيق هذه الغاية من رسالته تراه يسلك بالشادين، بعلم الأدب الآخذين بأسبابه، مسلكاً يفضل لهم فيه القول في الإنشاء والخطابة.
فالإنشاء، كما عرّفها في كتابه هذا: علم تعرف به كيفية أداء المعاني التي تحضر بالبال أو تلقى إليه، على وجه تتمكن به من نفوس المخاطبين، من حيث حُسن ربط أجزاء الكلام، واشتماله على ما يستجاد من الألفاظ، ويَحسن من الأساليب مع بلاغته (2).
وفي هذا الحد إيماء إلى طرق التأليف الجيّدة، وإلى أثرها في السامعين والمخاطبين، وإلى المميّزات التي لا بدّ من اتصاف أجزاء الكلام بها، لتنال حظاً من الإبداع والإمتاع، وتكتسب القدرة على الاجتذاب والتأثير.
(1) محمد الطاهر ابن عاشور: أصول الإنشاء والخطابة: 4.
(2)
محمد الطاهر ابن عاشور: أصول الإنشاء والخطابة: 4.
وقد ذكر بعد هذا أنواع الإنشاء، كما تعرّض إلى ما ينبغي أن يتحقّق في الألفاظ والمعاني من صفات شريفة وسمات بديعة آسرة.
وعند التفاته في هذه الرسالة إلى القسم الثاني منها وهو فن الخطابة الذي عدّه من جملة أنواع الإنشاء، كالمراسلة والمحادثة والمقالات ونحوها (1)، يقول: إن هذا الفن يختص بمجموعة من الضوابط والشروط، إذا التزم بها الخطيب ورعاها استطاع أن يُقنع بكلامه أصنافَ السامعين بصحّة الغرض الذي يقصده. ويدعو لفعله أو الانفعال به (2).
وبعد تعريفه للخطابة القائمة على الإقناع، والشعر القائم على التخييل والمحاكاة، يذكر شروط الخطيب، وأوصاف الخطبة، وينوّه بالدور الكبير الذي يستطيع المهرة والحذاق من أصحاب هذا الفن الاضطلاع به. فهي - كما صوّر لنا ذلك - ركن عظيم من آداب الاجتماع البشري، بها يحصل تهذيب الجمهور من حملهم على ما فيه صلاحهم، وتسكين جأشهم عند الروع، وبث حماسهم عند اللقاء (3).
ولم يهمل المؤلف الجانب التطبيقي إثر تفصيله للجانب النظري واعتنائه به. فهو يذكر الأمثلة الكثيرة المميّزة من قرآن وحديث، ونثر وشعر، كما يدعو إلى ممارسة تمارين تُشَدّ بها المعارف، وتنضج بها القدرات والملكات.
وكانت رسالته هذه التي طلع بها على طلاب الزيتونة فتحاً مبيناً، وبياناً لطريقته ومنهجه في الأخذ بطرائق النحاة والبلغاء وأئمة الأدب المترسّلين. فهو يعتمد في ذلك على مقالات ابن جني
(1) محمد الطاهر ابن عاشور. أصول الإنشاء والخطابة: 12.
(2)
المرجع السابق: 45.
(3)
المرجع السابق: 47.