الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلمة عن المفسرين:
ومما نعاه الشيخ رحمه الله على المفسرين:
أولاً: العناية بالتوقيف والنقل تجنباً للخطأ، ودفعاً للعامة من ولوج باب هذا العلم الذي يحتاج إلى تأهّل وسابق إعداد للمشاركة فيه. ومن الملاحظ أن كثيراً من أصحاب هذه السِّمَة كانوا يتساهلون في نقولهم، وإن كانت ضعيفة، ويتجنّبون اعتماد الرأي، ولو كان صواباً. وهكذا وقع منهم الاستشهاد بكثير من روايات الوضّاعين عن ابن عباس، أمثال الكلبي ومقاتل والضحاك، كما نقلوا عن الإمام علي أخباراً ضعيفة لم تصحَّ، واهية الأسانيد، وقد ظهر الاهتمام بالنقل في ذكر أسباب النزول، مما صرف ألفاظ القرآن عن معانيها، واقتباس غير المراد منها من كتب الوعاظ وغيرهم.
وهنا لا بد من تحرير القول في معنى الرأي. قال ابن عطية: الرأي الذميم الذي لا يعتمد هو أن يسأل الرجل عن معنى فيتسوّر عليه برأيه من غير نظر فيما قاله العلماء، أو اقتضاه قانون العلم. وليس يدخل في هذا تفسير اللغويين لغته، والنحويين نحوه، والفقهاء فقهه. فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلاً بمجرد رأيه. وهذا هو الصحيح. وليس المراد ألّا يتكلّم أحد في القرآن إلا بما سمعه، فإن الصحابة قد فسّروا واختلفوا، وليس كلّ ذلك سمعوا.
الثاني: عدة سمات منها: ضعف العلم باللغة والبلاغة. فإن قليلي البضاعة منهما لا يقدرون على شيء في هذا العلم، لأنه لا يتم تعاطيه وإحالة النظر فيه إلا بحذق الفنَّيْن. قال الجاحظ في كتابه نظم القرآن: "لا يمكن لأحد أن يغوص على شيء من حقائق الكتاب إلا رجل برع في عِلميْن مختصين بالقرآن هما المعاني والبيان، بعد أن
يكون آخذاً من العلوم بحظٍّ. وهو مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقَّادها" (1).
ويؤكد هذا المعنى السكاكي بما ذكره في مقدمة مفتاح العلوم: "وفيما ذكرنا ما ينبّه على أن الواقف على تمام مراد الحكيم، تعالى وتقدَّس، من كلامه، مفتقر إلى هذين العلمين: المعاني والبيان، كلَّ الافتقار. فالويل كل الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راجل"(2).
ومنها اعتبار القرآن إشارات، تَظهر بتفكيك اللفظ القرآني، كما فعلت الباطنية والإسماعيلية، ومن جرى مجراهما من الصوفية، أو بتحريف الكلم عن مواضعه، كما فعل غلاة الشيعة. ومن هذه التفاسير تفسير القاشاني الباطني، ومنها أيضاً تأويلات المتشبّهين بالعلماء الذين تؤثر عنهم أقوال غثة وأفهام رثة، فيما حاولوه من تفسير القرآن.
الثالث: الضعف في علوم يظنّونها بعيدة عن القرآن وهي ضرورية لإدراك مراميه ومعرفة عظمته، مثل التاريخ وفلسفة العمران والأديان والسياسة.
الرابع: عدم الاهتمام بالعلوم المساعدة ذات العلاقة بالتفسير للكشف عن معاني الآي، والاشتغال بمسائل علوم ليست ذات صلة أو ضعيفة المناسبة. وقد مثل الإمام الأكبر بالتفسير الكبير للإمام الرازي في هذا الصنيع قائلاً: فجاء كتابه بعيداً عن غرض المفسّر.
ومنهج الإصلاح لعلم التفسير أو كتابته ينبني. على طلب الصحّة
(1) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: 188 - 189.
(2)
السكاكي. مفتاح العلوم: 162.
للتفسير، ومعرفة طريق استمداده، وتعميق أغراضه ودلالاته، وتوثيق الأفهام فيه، واجتناب كثير من المحاذير التي تَزِلُّ بها القدم، ويبتعد بها المفسر عن أصول صناعته. وهذه الحقائق تذكّر بما اعتاد كثير من العلماء بيانه لتحديد الغرض من التفسير بعامة، وذكر شروط المفسر.
وإذا كان التفسير، كما قال الإمام الأكبر، هو شرح مراد الله تعالى من القرآن، ليفهمه مَن لم يصل ذوقه وإدراكه إلى فهم دقائق العربية، وليعتاد، بممارسة ذلك، فهمَ كلام العرب وأساليبهم من تلقاء نفسه، فإن المفسر أمين على إبلاغ الناس مراد الله من كتابه، ولا يتأتّى له ذلك إلا بمعرفة اللغة وعلومها، وتصوره الدقيق لاستعمالات العربية فيها، والممارسة لجملة من فنونها، ارتياضاً بها، وحذقاً لتصرّفات القول حذقاً يصل به إلى اكتشاف مغالق المعاني وأسرار البيان وخصائص التعبير لدى الأمة من أهل هذه اللغة الذين خاطبهم الله بلسانهم، وأنزل عليهم كتاباً عربياً مبيناً لا يَخْلَقُ على طول الردِّ. فصحة التفسير يكفلها شرح التراكيب القرآنية ببيان المقصود من ألفاظ القرآن بحسب ما جرى عليه استعمالها في اللغة العربية.
واستمداد ذلك يكون باجتذاب المعاني من الدلالة اللغوية للألفاظ، ومن التصرّفات القولية التي وردت بها تراكيبه، ومن الحس بها، والإدراك للخصائص البلاغية التي تتّسم بها تلك التراكيب.
ولا يتأتّى للمفسر أن يغوص على أسرار الكتاب، ويتعمّق معانيه إلا متى اكتمل إدراكه لنظمه البديع، فيتجه به كل اتجاه لتصوّر محامله، والوقوف على احتمالاته مهما تعددت.
وما من شك في أن لثقافة المفسر في هذا أثراً كبيراً في