الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بطيئاً أو معرضاً للشك والنسيان، ومبادرة كل بلد إلى الأخذ بما يحصل لديه من ثبوت الشهر شرعياً أمر ممكن.
وقد قامت الأدلة على أن ثبوت دخول الشهر سابق في بعض البلاد عنه في البلاد الأخرى، وجرت أقوال المذاهب الأربعة على أن لا عبرة باختلاف المطالع. ومن ثمّ فلو صام أهل البلد تسعة وعشرين يوماً برؤية الهلال في بلدهم، وصام أهل بلد آخر ثلاثين يوماً بالرؤية، فإن الذين صاموا تسعة وعشرين يوماً يجب عليهم قضاء صيام يوم.
قال الحنفية: هذا قول أكثر المشايخ (1).
وقال الشافعية: في المسألة قولان مصحّحان.
وقال الحنابلة: لا خلاف في أن رؤية أهل بلد تلزم بقية البلدان.
ويتبيّن من هذا أن ما ذهب إليه ابن رشد الحفيد وابن جزي من الإجماع على اعتبار خلاف المطالع بين البلاد التي ثبتت فيها الرؤية وبين البلاد النائية عنها جداً مثل بُعد الأندلس من الحجاز ادعاء غير صحيح.
وللإجابة عن السؤال المطروح، وهو اعتماد الحساب الفلكي لإعداد تقويم قمري، لا بد بعد بيان ما سبق أن نعود إلى تأصيل النظر فيه بردِّه إلى ثلاث قواعد ينبني عليها الجواب.
توقيت فريضة الصوم:
القاعدة الأولى:
إن الصوم عبادة وَقَّت لها الشارع وقتاً تقع فيه، وهو شهر رمضان. وقد ذكرنا الأدلة على ذلك من الكتاب (البقرة: 183 -
(1) الزيلعي. تبيين الحقائق: 1/ 321.
185، 187). وبمجموع ذلك حصل تعيين العبادة المفروضة، وتحديدها، وحصر زمانها. فوجب على الناس تعيين هذا الشهر مبدأ ونهاية. وكان العمل في ذلك يوم نزول القرآن للتعريف بحدود الشهر الاحتكامَ إلى تجدد ضوء الهلال عقب محاقه. ولمعرفة وجود الهلال عقب المحاق في علم الله طرق:
الرؤية البصرية: وهي الطريق الحسي الضروري الذي لا خلاف في العمل به.
مرور ثلاثين ليلة من وقت استهلال الهلال الذي سبَقَه: وهذا الطريق قطعي تجريبي، إذ رصد الناس، في جميع الأرض، وفي كل العصور، أحوال ظهور الهلال فوجدوه لا يتأخّر عن ذلك التقدير من الأيام، وتحقق لديهم ذلك واشتهر. فصار قطعياً. وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة.
دلالة الحساب الذي يضبطه العلماء بسير النجوم: وهو علم لا يتطرق قواعدَه الشكُّ، وحساب تحققت سلامته من الغلط، ويسمى هذا الحساب تقويماً. وجرى العمل به في التقويم الشمسي قديماً وحديثاً، واتبعه المسلمون في تحديد أوقات الصلوات، وأوقات الإمساك والإفطار في رمضان. والتقويم القمري مثله ولا يختلف عنه، وقد جَرَّبَه العرب إلا أن فقهاء المذاهب الأربعة منعوا العمل في إثبات الشهر الشرعي بحساب المنجمين وأهل التقاويم، ويبدو أن هذا الموقف كان بسبب أن وجود الهلال لم يكن يعرف في العصور الماضية سوى بالرؤية. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فاقدروا له". ويتعين أولاً أن نلاحظ خلو متن الحديث من صيغة قصر الصوم على حالة رؤية الهلال. وقياس حساب المنجمين على رؤية الهلال قياس جلي.