الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك الأسلوب إلا اليسير. ومعلوم أن طبع كل امرىء - إذا ملك زمام الاختيار - يجذبه إلى ما يستلذّه ويهواه، ويصرفه عما ينفّر منه ولا يرضاه" (1). غير أن هذا الرأي أو الحكم لا يخضع للفطرة وحدها. وهو ليس على إطلاقه لكونه عند أرباب الصناعة وأهل النقد يعود إلى مرجعية من القواعد تثبّته وتزكّيه. وهي لا تجتمع إلا لباحث أو دارس، وإلى صنوف من التحصيل لا يحيط بها إلا كل مِفَنٍّ ممارس، وإلى أضرب من المقايسة والمقارنة والمفاضلة والموازنة، لا تتّفق إلا لمن اتّسعت مداركُه، وكثرت روايتُه، ووقف عند الصور الأدبية والأمثلة الشعرية مستجلياً مفاتنها وروائعها، مستكرهاً ومحذراً ممّا يعرض لها من اختلاف واضطراب.
الاختلاف بين مدرستي الألفاظ والمعاني:
ولا يتمّ إدراك ذلك في الصناعة الأدبية إلا بالنظر في عنصرين أساسيين يكونان على درجة رائعة من الإيحاء، وفي منزلة عالية من إحكام البناء. وهذان العنصران هما: اللفظ والمعنى. تتفاوت مراتبهما، ويعلو وينزل قدرهما بقدر ما يكون من إجادة وإحسان، وإبداع وإمتاع، خاصة في جانب الألفاظ والمباني.
وقد جعلت طائفة من النقاد صلة ثابتة بين العنصرين، فربطوا بين المعاني والألفاظ، وقدّروا الأولى بمنزلة الأرواح، والثانية بمنزلة الأجسام. قال ابن رشيق: "فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصاً للشعر وهجنة عليه، وإن ضعف المعنى واختل بعضه كان اللفظ من ذلك أوفر حظاً. ولا تجد معنى يخلّ إلا من جهة اللفظ، وجريه
(1) ابن عاشور. شرح المقدمة الأدبية: 12.
فيه على غير الواجب. وإن اختل المعنى كله وفسد، بقي اللفظ مواتاً لا فائدة فيه، وإن حَسُن طلاوةً في السمع" (1).
ومن أجل هذا تحدَّث النقاد عن المعاني وأفردوها بالدرس. فأطلقوها على عدة أقسام. منها: أصل المعنى، وهو الأغراض والصور العامة التي تستفاد استفادة أولية من مختلف صيغ الخبر والإنشاء. ومنها: المعاني الأول، وهي الأغراض الخاصة التي قصدها البلغاء لنكتة مثل رد الإنكار، ومنها: الثواني - أو معنى المعنى - بحسب اختلاف أئمة البلاغة في ذلك كالجرجاني والسكاكي. وهي في جملة ذلك عبارة عن الخواص الكلامية التي تفيد كيفيات في المعاني الأول، مثل القصر والاستغراق والكناية والمبالغة، مما يتميز به كلام بلغاء العرب.
وقد تحدّثوا في هذا الباب عن شرف المعنى وما يستفاد من الكلام ويتلقّاه السامع مستغنياً به عن غيره في استفادة الغرض الذي يومىء إليه. ونعتوا هذا المعنى بالشرف والصحّة، وبالمعجب الجزل العذب، والمحكم الزاهر الفاخر. وتُقابل شرفَ المعنى سخافتُه إذا قلّت جدواه، أو لدلالته على تعلّق تفكير صاحبه بصور ضعيفة.
ولتوجيه الناشئة وبيان المسالك الرشيدة في هذا الغرض، الواجبِ اتباعُها، دعا النقاد البلغاء فيما تجيش به نفوسهم ويريدون إبلاغه إلى نفوس السامعين إلى أن يتخيّلوه في خلدهم، ثم يكتبونه
(1) العمدة: 1/ 217. ويفسّر ذلك الإمام الأكبر ببيان رأيه في الحكم بين مذهب أهل الألفاظ ومذهب أهل المعاني. ويقول: إنه لا يتم للكلام حُسنه وبلاغته إلّا باجتماع شرف لفظه وشرف معانيه. ابن عاشور. شرح المقدمة الأدبية: 54.
بأحسن صورة تكفل لهم وقوعَه لدى السامعين موقعاً حسناً يفي بالمراد والغرض أكملَ وفاء.
ومن أسباب شرف المعنى أن يكون مبتكراً غير مسبوق أو مزيجاً بعضه مسبوق وبعضه مبتكر. وبمقدار زيادة الابتكار على المسبوقية يكون دنُوّه من الشرف. وقد ذكر المرزوقي أمثلة لشرف المعنى بدت في ابتكارات كثيرة عند بشار وأبي تمام وأبي الطيب، وجعل قريباً من ذلك ما ورد منها عند أبي نواس وابن الرومي والمعرّي.
وأمّا شروط تحقّق شرف المعنى فهي تختلف باختلاف محالّها من أغراض الكلام. نبّه إلى ذلك ابن الأثير في المثل السائر بقوله: "إن الكاتب أو الشاعر ينظر إلى الحال الحاضرة ثم يستنبط لها ما يناسبها من الغائب"(1).
وإذا كان العمق في استجلاء محاسن الكلام طريقاً لمعرفة خصائص المدرستين: مدرسة الألفاظ ومدرسة المعاني، وسبيلًا للوقوف على بديع تصاريف المباني، وجميل تضاعيف المعاني، وجب الانتباه إلى مناهج النقاد في اختياراتهم، وهي كثيرة، لاتساع مجال الطبع فيها، وتشعّب مراد الفكر لها.
فمن النقاد والبلغاء من يرى فِقَر الألفاظ وغررها كجواهر العقود ودررها، وأن ما جاء منها محرّراً مَصفّى من كدر المعنى والخطل، مقوّماً من أود اللحن والخطأ، سالماً من جنف التأليف، موزوناً بميزان الصواب، قَبِله الفهم والتذّ به السمع. وإذا ورد على
(1) محمد الطاهر ابن عاشور. شرح المقدمة الأدبية: 62.
ضدّ هذه الصفة، صدِىء الفهم منه، وتأذّى السمعُ به تأذّيَ الحواس بما يخالفها. وهؤلاء رواد مدرسة الألفاظ.
ومنهم من لم يرض بالوقوف عند الحد الذي وصفناه، فتجاوزه في التقدير، والتزم من الزيادة عليه تتميمَ المقاطع، وتلطيف المطالع، وعطفَ الأواخر على الأوائل، ودلالة الموارد على المصادر، وتناسب الفصول والوصول، وتبادل الأقسام والأوزان، والكشف عن حجب المعاني بألفاظ هي في الاختيار أولى، حتى يطابق المعنى اللفظ، ويسابق فيه الفهمُ السمع. وهذا في اعتقاد القائلين به ما لا غاية وراءه ولا قصد بعده.
والفريق الثالث مَن ترقّى، كما قال المرزوقي، إلى ما هو أشقّ وأصعب. فلم يقتصر على أفانين التصرّف البلاغي التي ألمعنا إليها حتّى طلب البديع، وأوغل في الترصيع والتسجيع، والتطبيق والتجنيس، وعكَس البناء في النظم، وأقبلَ على توشيح العبارة بألفاظ مستعارة. ولكل هذه التصرّفات القولية عند النثّار والشعراء منزلة من النفوذ، ودرجةٌ من الاعتلاء.
وفي تأكيد هذا النهج الموسوم بمنهج مدرسة الألفاظ يقول ابن طباطبا في تخيّره للشعر: "فهو ما إن عَرِي من معنى بديع لم يعرَ من حسن الديباجة. وما خالف هذا فليس بشعر"(1).
وأصحاب الألفاظ هم الأكثرون من أصحاب الذوق والبلغاء، غير أنهم ليسوا متمرّسين في علوم المعاني والبيان. وقد وضعوا العناية باللفظ في الدرجة الأولى، اعتباراً منهم لكون حُسن الديباجة
(1) محمد الطاهر ابن عاشور. شرح المقدمة الأدبية: 46.
اللفظية يجعل الكلام مقبولاً، ولو كان عريّاً عن معنى بديع.
ويقابل هؤلاء فريق من أصحاب الألفاظ المتخيَّرة، والتعابير الساحرة الرائعة جماعةٌ من البلغاء والنقاد قصدوا فيما تجيش به الخواطر إلى أن تكون استفادةُ المتأمّل له، والباحث عن مكنونه من آثار عقله أكثر من استفادته من آثار قوله. وهؤلاء هم أصحاب المعاني الذين ألمّوا بالعلوم العربية وصور البيان، غير أنهم لم يكمل لديهم ذوق صناعة البلاغة. فصرفوا اهتمامهم الأول إلى المعاني التي يريد البليغ التعبير عنها، ولم يحفلوا بجانب ذلك بالصنعة ولا تكلّفوا المحسنات. ولكنهم في عرض منازع المعاني يطيلون القول في بيان رسومها. وإنّما أجادوا أيّما إجادة في تحرير القول في ذلك بياناً وضبطاً، وتحليلاً وتصويراً، إذ جعلوا ذلك من مميزات مدرستهم. فالمتأمّلون في أقوالهم وأشعارهم يلفون فيها معاني فائقة، ترجع إلى المجاز أو التشبيه، أو إلى الإيجاز أو التلميح أو التمليح. وقد نوّه بأصحاب هذه المدرسة ابن الأثير حين قال:"ينبغي أن يتيقَّن المؤلف أن المعاني أشرف من الألفاظ، وأن هذه الصناعة من النظم والنثر، التي يتواضعها البلغاء بينهم، وتتفاضل بها مراتب البلاغة، إنما هي شيء يستعان عليه بدقيق الفكرة وكثرة الرويّة. ومن المعلوم أن الذي يستخرج بالفكر وينعم فيه النظر هو المعنى دون اللفظ. فمن المعاني ما يكون مبتدعاً فيذكر صاحبه معنى لم يسبق إليه"(1).
وبقدر اختلاف النقاد والبلغاء في اتجاهاتهم وأحكامهم يرى المرزوقي أن من هذه مناسبَ المعاني لطُلّابها، ومن تلك مناصبَ الألفاظ لأربابها، وأن أجود ما يكون الإبداع فيه، والإمتاع به، ما
(1) ابن عاشور. شرح المقدمة الأدبية: 49.