الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما وجد ما صدقه في القسم الأول، وفي القسم الثاني بفنيه من أصول النظام. وذلك لما بين أطراف الكتاب من تناسق وتساوق، وارتباط وتزاوج.
من القضايا التي تعرّض لها الإمام في كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام:
حديثه عن منهجه:
توسعه في ذكر
الفطرة
والصفات الفاضلة التي ذكرها موزّعة، بين الفنين من القسم الثاني من كتابه، ومدى أهميتها وارتباطها بغرض البحث، وبما يترتب عليها في الحياة العملية من آثار.
ولفته النظر إلى المسائل العلمية والكلامية والاجتماعية والسياسية لأهميتها، ودورها في توجيه الفكر الإسلامي وتصحيحه.
ثم تنبيهه إلى المقاصد التي ذكرها في موضوع أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، وتفصيله القول فيها.
الفطرة:
وقد حمله هذا المنهج الذي اعتمده وسلكه في مؤلَّفه على المقارنة بين الاتجاهين: الأصولي والمقصدي، قائلاً:"أئمة الفقه لم يستعملوا مصطلح "الفطرة" في أصول الشريعة، مكتفين في علم الأصول بذكر ما يدعو إليه من مصطلحات، المقصود منها إفهام الطالبين وإقناع المجادلين
…
فهم يحفلون في باب القياس بذكر العلة وتعريفها، ويمثلون بعلل الأحكام الصالحة لإلحاق فرع قياس بأصله لمساواتهما في علّة الحكم، ولا يهتمون ببيان
الحكمة التي هي منشأ علل كثيرة، وإنما يتعرّضون لها استطراداً في ذكر شروط العلة، إذ يعدّون من شروط القياس بالعلة اشتمال العلة على حكمة أو أن تكون ضابطاً لحكمة. فإذا تكلّموا في قياس النبيذ على الخمر في التحريم جعلوا العلّة فيه الإسكار، ولا يجعلونها فساد العقل
…
وينبّه الإمام العلماء المتفهّمين للشريعة والمتفقّهين فيها، والمنفّذين لأحكامها والسائسين للأمة بها، بأن عليهم أن يسايروا (الفطرة) هذا الوصف الجامع، ويجعلوه رائدهم وعاصمهم في إجراء الأحكام، بمنزلة إبرة المغناطيس لربان السفينة" (1).
ثم ينهي مناقشته للأصوليين بتوجيههم وتوجيه غيرهم من العلماء إلى ما هو بسبيله في هذا الكتاب، فيعلن:"أن الباحث عن نظام الاجتماع الإسلامي يجدُ وصف الفطرة أجدى عليه من قواعد كثيرة. ولا جرم أن يكون أهل هذا الفن أحوج إلى قواعد أوسع من قواعد الأصوليين"(2).
وأما تفصيله القول في هذا الوصف الجامع - وهو الفطرة - الذي حمل الباحثين في علمي الاجتماع والمقاصد على اعتماده فهو كما يصوره لنا: "كل فعل يحب العقلاء أن يتلبّس به الناس، وأن يتعاملوا به فهو من الفطرة، وكل فعل يكرهون أن يُقابَلوا به ويشمئزون من مشاهدته وانتشاره فهو انحراف عن الفطرة"(3).
(1) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: 21.
(2)
المرجع السابق: 21.
(3)
أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: 22.
وحقيقة الفطرة في الأصل الخلقة والهيئة التي في نفس الإنسان، وهي المعدّة والمهيّأة لأن يميز بها المرءُ الله تعالى، ويستدلَّ بها على ربه، ويعرفَ شرائعه (1).
وتطلق الفطرة على قابلية الخلق للتوحيد ودين الإسلام (2).
كما تعني مجموع شريعة الإسلام، بجميع أصوله وقواعده لتفجُّره جميعه من ينبوع معنى الفطرة (3).
ويمعن في بيان ذلك والتمثيل له فيقول: "الفطرة وصف عام تكون به دالة على ما خلق الله عليه الإنسان ظاهراً وباطناً، أي جسداً وعقلاً. فسير الإنسان على رجليه فطرة جسدية، ومحاولة مشيه على اليدين خلاف الفطرة، وعمل الإنسان بيديه فطرة جسدية، ومحاولة عمله برجليه خلاف الفطرة، واستنتاج المسبّبات عن أسبابها والنتائج من مقدّماتها فطرة عقلية، ومحاولة استنتاج الشيء من غير سببه من فساد الوضع كما يقول علماء الجدل، وهو خلاف الفطرة العقلية. والجزم بأن ما نشاهده من الأشياء هو حقائق ثابتة في نفس الأمر فطرة عقلية، وإنكار السوفسوطائية ثبوتها خلاف الفطرة العقلية"(4).
فلا بدع إذا كان هذا الوصف العظيم صالحاً لأن يكون الأصل العام لفهم مناحي التشريع والاستنباط منها. ولا بدع أيضاً من وصف دين الإسلام بدين الفطرة "الفطرة الإنسانية"، لأن الله جلّت حكمته سوَّى فيه بين الوصفين: الحكمة والفطرة. فهو حين أراد أن يجعله
(1) المرجع السابق: 16.
(2)
المرجع السابق: 16.
(3)
المرجع السابق: 19.
(4)
المرجع السابق: 17.
ديناً عاماً لكل البشر، دائماً إلى انقضاء العالم، جعله مساوقاً للفطرة المتقررة في نفوس الناس (1).
ووصف دين الإسلام بدين الفطرة "الفطرة الإنسانية" يترجم
من جهة ثانية عن الانفعالات الحاصلة لنفوس البشر في حال
سلامتها من اكتساب التعاليم الباطلة والعوائد السيئة. والفطرة بهذا
المعنى أساس النظم التي أقيمت عليها الحضارة الأولى (2).
ووصف الفطرة هذا هو ما اختص به دين الإسلام دون سائر الأديان. وهو بذلك يتميّز عليها كلِّها بالأوصاف المناسبة المتلازمة الثلاث: العموم والدوام والفطرة (3). ولا يعني وصف الإسلام بالفطرة الفطرةَ الظاهرية الجسدية، وإنما هي الفطرة الباطنية العقلية لما يتقوّم به الإسلام من عقائد وتشريعات، كلُّها عقلية (4). ويقصد من كون الإسلام دين الفطرة أن الأصول التي هي فيه من الفطرة، تتبعها أصول وتفريعات هي من المقبول لدى الفطرة (5).
أما المحور الثالث الذي أشرنا إليه قبل، فهو عبارة عن الصفات النبيلة التي يتحلّى بها الفرد أو المجتمع، والتي يكون لها كبير الأثر في العلاقات والمعاملات بين الناس. وتبرز أهميتها بوصف خاص في دراسة أصول نظام المجتمع الإسلامي الذي يقوم على مجموعة كبيرة من مكارم الأخلاق والآداب. نقف عند اثنتين منها، هما السماحة والحرية.
(1) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: 20.
(2)
المرجع السابق: 28.
(3)
المرجع السابق: 20.
(4)
المرجع السابق: 17.
(5)
المرجع السابق: 19.