الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فدخل منه العدو وكان ما كان، وجماع هذه الثلاثة (الصبر والمصابرة والرباط)«1» هو تقوى الله عز وجل إذ لا ينفع شيء منها بدون التقوى، ولا تقوم التقوى إلّا على ساق الصبر «2» .
ولا شك في أن الاستعاذة بالله عز وجل من هذا الشيطان هي من أقوى الأسلحة التي يحصن بها المسلم نفسه من هذا العدو لأن معناها الاعتصام بالله تعالى واللجوء إليه لدرء شر ذلك الشيطان الرجيم، قال تعالى:
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ* وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ «3» .
7- جهاد النفس وتزكيتها:
اعلم أن النفس مجبولة على اتباع الشهوات ولا تزال على ذلك إلا أن يبهرها نور الإيمان، يقول الله تعالى في سورة يوسف عليه السلام وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ «4» .
فلا يزال المؤمن طول عمره في مجاهدة نفسه الأمارة بالسوء باستنزال نور رحمة الله، فكلما هاجت داعية نفسه إلى شهوات جسدية أو أهواء نفسية محرمة لجأ إلى الله وتذكر جلال الله وعظمته وما أعد للمطيعين من ثواب وللعصاة من عذاب فانقدح من قلبه وعقله خاطر يدمغ خاطر الباطل فيصير كأن لم يكن شيئا مذكورا. أما تزكية النفس فيعني التطهر من الأدناس والسمو عن النقائص، وهي بذلك تأخذ عند الله حظها من الرضوان وعند الناس حظها من الكرامة وقد وعد الله عز وجل بالفلاح من زكّى نفسه فقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها «5» ، وقال عز من قائل: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى «6» ، وقال جل من قائل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ «7» ، وقال سبحانه: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً «8» ، يقول ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: جعل المولى سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو أزكى للنفس وبيّن أن ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش والظلم والكذب ونحوها «9» .
رابعا: تعامل المسلم المبتلى بالطاعات:
أصل الابتلاء بالطاعة هو تقلد الإنسان عهدة التكليف بالأمانة، يقول الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا «10» . وبقبول هذه العهدة وحملها يتعرض الإنسان للثواب إن أطاع، وللعقاب إن عصى، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا* «11» .
(1) انظر صفة الصبر والمصابرة، وكذلك صفة جهاد العدو في مظانهما في هذه الموسوعة.
(2)
الداء والدواء ص 179- 180 (باختصار وتصرف) ، وقد أفاض- رحمه الله في وصف المعركة بين الإنسان والشيطان وصوّر التقاء الجيشين وكشف عن كيفية تحصين ثغور العين والأذن واللسان.
(3)
المؤمنون/ 97- 98، وانظر صفات: الاستعاذة والفتنة والغي والإغواء.
(4)
يوسف/ 53.
(5)
الشمس/ 9.
(6)
الأعلى/ 14- 15.
(7)
النور/ 30.
(8)
النور/ 21.
(9)
الفتاوى 10/ 199.
(10)
الأحزاب/ 72.
(11)
الأحزاب/ 62.
قد يظن الطائع أنه بمنأى عن الاختبار أو الابتلاء الذي يتعرّض له غيره من العصاة، وهذا اعتقاد خاطىء لأن الإنسان كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يعمل بعمل أهل الجنة حتى يكون ما بينه وبينها إلّا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها «1» ، وهنا أيضا نجد مجموعة من الخطوات لابد أن يتحلّى بها الطائعون من أهمها:
1-
الخطوة الأولى: أن يعلم يقينا أن الطاعة هي من توفيق الله عز وجل وبمشيئته، ولو شاء سلبها منه، وعليه أن يردد دائما قول الله: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ «2» .
2-
الخطوة الثانية: أن يتحلى بالخوف من الله عز وجل وأن يرجوه قبول طاعاته، فقد كان السلف رضوان الله عليهم- كما أخبر الحسن البصري- قد عملوا بالطاعات، واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إيمانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا «3» .
3-
الخطوة الثالثة: ألّا يأمن الطائع مكر الله تعالى فينقلب بهذا الأمن من العصاة وهو لا يدري، وقد كان صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء:«يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك» «4» .
4-
الخطوة الرابعة: ألّا يمن بطاعته على الله تعالى، قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «5» .
5-
الخطوة الخامسة: أن يحذر الوقوع في البدعة فيعبد الله بغير ما أمر أن يعبد به «6» . (انظر صفة الابتداع) .
6-
الخطوة السادسة: أن ينأى عن التطرّف والتشدّد في أمر الدين فإنه لن يشاد الدين أحد إلّا غلبه «7» .
(انظر صفتي الغلو والتعسير) .
7-
الخطوة السابعة: أن يعلم أن هناك عدوّا هو الشيطان يتربّص به الدوائر ويريد الإيقاع به، وأنه قد يدخل عليه من باب الطاعة فيجعله مغترّا بها، متكبرا على غيره من العصاة، جاعلا نفسه في مكانه فوقهم (انظر صفة الغي والإغواء) .
وبعد..
فهذه المحاولة المتواضعة للكشف عن علاقة الإنسان بهذه الحياة تقودنا إلى معرفة الطريق الصحيح للنجاح في الاختبارات التي نعايشها بصفة يومية ونتعرّض فيها لشتّى الابتلاءات، وقد تبيّن من خلال هذا الاستعراض أن التحلّي بخلق الرسول صلى الله عليه وسلم وقد كان خلقه كما وصفته أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها القرآن، حيث كانت حياته الكريمة وسيرته العطرة تجسيدا حيّا لما جاء به، وقد أمرنا الله عز وجل باتباعه فيما يأمر أو ينهى عنه: وَما
(1) انظر صفة الأمن من المكر وقد ذكرنا هذا الحديث وغيره هناك، فارجع إليه.
(2)
الأعراف/ 43.
(3)
انظر الأثر رقم (10) في صفة الطاعة.
(4)
انظر صفة الأمن من المكر ج 9، ص 400 عمود 2.
(5)
الحجرات/ 17.
(6)
انظر صفة الابتداع.
(7)
انظر صفة التعسير، وصفة الشدة.
آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «1» . وإذا كنا نرجو الله واليوم والآخر فلنا فيه صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة، وقد تبيّن من خلال هذا العرض الموجز لدورة الحياة وعلاقة الإنسان بها أن هذه الدنيا ليست هي الغاية الحقيقية للمؤمن الحق، وإنما غايته العظمى في الدار الآخرة، قال الله تعالى: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ «2» ، وفي الآخرة حيث مستقر الرحمة تجد المؤمن ذا وجه مشرق وضّاء تعلوه الفرحة ويملؤه البشر وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ* ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ «3» . هذه الوجوه لا تخفى على أحد لأنها مجللة بنضرة النعيم الذي أعده الله للأبرار، قال تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ* تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ* يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ* خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ «4» .
ومن هنا فقد وفقنا الله عز وجل فأسمينا هذه الموسوعة (نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وفي هذا رجاء بشارة لمن يتبع الرسول الكريم ويتحلى بأخلاقه فهو الذي جاء ليزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة لنكون من أصحاب (نضرة النعيم) في الآخرة، أي أن المتمسك بالأخلاق والآداب التي جاءت في موسوعة (نضرة النعيم) في الدنيا سيكون إن شاء الله تعالى من أصحاب (نضرة النعيم) في الآخرة، ليس هذا فحسب وإنما سيكون قريبا من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن أحب الناس إليه، وقد جاء في الحديث الصحيح:«إنّ من أحبّكم إليّ وأقربكم منّي مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا» «5» .
وختاما فإنني أدعو الله عز وجل أن يبارك في هذه الموسوعة وأن يجعلها فاتحة خير لكل من يقرؤها وصلّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن ملّوح جدة- المملكة العربية السعودية في العشرين من شعبان سنة 1418 هـ الموافق 21 من ديسمبر سنة 1997 م
(1) الحشر/ 7.
(2)
النحل/ 30.
(3)
عبس/ 38- 39.
(4)
المطففين/ 22- 26.
(5)
انظر صفة حسن الخلق، حديث رقم 9، وقد خرّجناه هناك.