الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يمكن الجمع بين كونهم ذهبوا يتلقون عيرا لقريش ويقصدون حيّا لجهينة «1» ، ومما يقوي ذلك ما أورده الإمام مسلم في الصحيح أن البعث كان إلى أرض جهينة «2» .
غزوة الحديبية
«3» :
وفي يوم الاثنين الأول من ذي القعدة سنة 6 هـ «4» ، خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة متوجها بأصحابه إلى مكة لأداء العمرة «5» . وقد كشف بذلك عن حقيقة النظرة الإسلامية إلى البيت العتيق، والمشاعر الإسلامية نحوه وتعظيمهم لشعائر الله في حجه وعمرته. وكان ذلك في الوقت نفسه إظهارا لخطل دعاية قريش المعادية التي حاولت عبر فترة الصراع أن تبثها بين بطون القبائل والتي أرادت أن تظهر أنّ المسلمين لا يعترفون بمكانة البيت العتيق وحرمته. على أن هذا التوجه نحو أداء العمرة من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وخططهم في الوصول إلى مكة ودخولها لأداء النسك قد أحرج قريشا إلى درجة كبيرة وخصوصا أن ذلك يأتي في أعقاب فشل غزوة الأحزاب وانهيار التحالفات القرشية مع القبائل الأخرى ومع يهود. وهي تبرز بوضوح وجلاء قوة المسلمين واستعلائهم في نظر العرب، في نفس الوقت الذي تخطّل فيه جميع الدعايات القرشية المعادية للمسلمين وأوقعت قريشا في الحرج الشديد، فهي إما أن تسمح للمسلمين وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة، فيتحقق العرب من ضعفها وكذب دعاياتها، وإما أن تعارض ذلك، فتصد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين عن دخول مكة وأداء العمرة، وبذلك ينكشف زيف ادعائها بالحرص على البيت العتيق وحرمته، ويتحدث العرب عن صد قريش لمن قصدوا تعظيمه وتكريمه والحج إليه، وكانت جميع هذه المعاني ماثلة أمام زعماء قريش حين واجهوا هذا الحدث الكبير.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان قد أعد للأمر عدته، وأدخل في اعتباره أن تقدم قريش على صده وأصحابه عن الوصول إلى مكة وأداء العمرة، بل حتى مقاتلته ومن معه، ولذلك عزم على الخروج بأكبر عدد ممكن من المسلمين، ولذلك فإنه استنفر المسلمين من أهل البادية، غير أنهم أبطئوا عليه وتعلل بعضهم بأعذار شتى كشفها القرآن الكريم: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً* بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ
(1) ابن حجر- فتح الباري 8/ 97.
(2)
مسلم- الصحيح/ 1537 (حديث 1935) .
(3)
موضع فيه بئر يقع على مشارف مكة الشمالية الغربية وعلى مسافة تزيد على عشرين كيلا من المسجد الحرام. وجعلها ابن هشام: «أمر الحديبية» على اعتبار أن الأصل في ذلك الخروج للعمرة وليس للغزو، وقد سميت بالغزوة بها لأن قريشا منعت المسلمين من دخول مكة وهم في الحديبية (السيرة 3/ 427) .
(4)
أجمع أهل العلم على تاريخها بلا خلاف. وقد رواه الزهري وموسى بن عاقبة وقتادة، كما في دلائل النبوة للبيهقي 3/ 91، وانظر: النووي- المجموع 7/ 78.
(5)
البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 4179) .
يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً «1» .
وهكذا فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه من المهاجرين والأنصار وبلغ عددهم ألفا وأربعمائة رجل «2» ، حملوا معهم سلاحهم توقعا لشر قريش «3» . وكانوا مستعدين للقتال «4» .
صلى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون بذي الحليفة، وأهلّوا معه محرمين بالعمرة «5» ، وساقوا الهدي معهم سبعين بدنة «6» ، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابي بسر بن سفيان الخزاعي عينا إلى مكة ليأتيه بأخبار قريش وردود فعلها «7» .
وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم بعد وصوله الروحاء سريّة جعل عليها أبا قتادة الأنصاري- ولم يكن محرما بالعمرة- في جمع من الصحابة إلى ساحل البحر الأحمر بعد أن علم بوجود تجمع للمشركين في «غيقة» ، وخشية أن يباغتوا المسلمين، فلم يلقوا كيدا ويظهر أنهم أخذوا طريق الساحل لتأمينه، إذ لم يلتحقوا بركب النبي صلى الله عليه وسلم إلّا في «السقيا» «8» .
وحين وصل المسلمون عسفان «9» جاءهم بسر بن سفيان الخزاعي بأخبار استعدادات قريش وتجميعها الجموع لصد المسلمين عن دخول مكة، وإرسالها طلائع من الفرسان إلى «كراع الغميم» «10» . وحين استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأمر «11» ، أشار عليه أبو بكر الصديق بالتوجه إلى مكة لأداء العمرة والطواف بالبيت وقال:«فمن صدنا عنه قاتلناه» «12» ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«امضوا على اسم الله» «13» . وقد صلّى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في عسفان صلاة الخوف «14» ، ثم سلك بهم طريقا وعرة عبر ثنية المرار إلى الحديبية متجنبا الاصطدام بخيالة قريش
(1) القرآن الكريم- سورة الفتح، الايات/ 11- 12، وذكر مجاهد بأن المراد بالآية أعراب المدينة: مزينة، وجهينة، الطبري- تفسير 26/ 77، بإسناد حسن إلى مجاهد، غير أنه مرسل.
(2)
البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 3576، 4151، 4154) ، مسلم- الصحيح، كتاب الإمارة ص 73، 75، يحيى بن معين- التاريخ 1/ 321، البيهقي- دلائل النبوة 2/ 214.
(3)
البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 4179) .
(4)
وانفرد الواقدي بالقول بأنهم لم يكونوا يحملون السلاح، المغازي 2/ 573.
(5)
البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 1694- 1965) وهذا يدل على أن ميقات ذي الحليفة كان قد جرى تحديده قبل غزوة الحديبية.
(6)
أحمد- المسند 4/ 323، ابن هشام- السيرة 3/ 308.
(7)
البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 4179) ، أحمد- المسند 4/ 323، ابن هشام- السيرة 3/ 308.
(8)
البخاري- الصحيح (فتح الباري- الأحاديث 1821- 1824) ، والسقيا موضع يبعد 180 كيلا من المدينة في الطريق إلى مكة.
(9)
موضع على طريق المدينة- مكة، يبعد 80 كيلا عن مكة.
(10)
واد بين عسفان ومكة قريب إلى عسفان، يبعد عنها 16 كيلا عن مكة، انظر: البلادي- معجم المعالم الجغرافية في السيرة، ص/ 264.
(11)
البخاري- الصحيح (فتح الباري، الأحاديث 4178- 4179) ، أحمد- المسند 4/ 323.
(12)
البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 4179) .
(13)
البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 4179) ، أبو داود- السنن 2/ 28 (حديث 1236) ، النسائي- السنن (حديث 1550- 1551) ، ابن كثير- التفسير 1/ 548.
(14)
مسلم- الصحيح 4/ 2144 (حديث 2780) ، البيهقي- السنن الكبرى 3/ 257، ابن كثير- التفسير 1/ 548، وهذا على رأي من أخر غزوة ذات الرقاع إلى ما بعد فتح خيبر، وهو الصحيح، وخلافا لما ذكره ابن إسحاق وابن هشام والواقدي (السيرة 3/ 203، المغازي 1/ 396) .
والقتال «1» . وقد عجل خالد بن الوليد- وكان يقود فرسان قريش- بالعودة إلى مكة حين علم بذلك، وخرجت قريش فعسكرت على طريق المسلمين «ببلدح» «2» حيث سبقوا المسلمين إلى الماء «3» .
وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين حتى إذا اقتربوا من الحديبية بركت ناقته فقالوا: «خلأت القصواء» فقال صلى الله عليه وسلم:
«ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل» . ثم قال: «والّذي نفسي بيده، لا يسألونني خطّة يعظّمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها» «4» .
عدل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الطريق المتجه إلى مكة، وسار بأصحابه حتى نزل بأقصى الحديبية على بئر قليل الماء، فلما اشتكى المسلمون العطش، انتزع صلى الله عليه وسلم سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيها، فما زالت تجيش بالماء حتى صدروا عنه وكان ذلك من معجزاته صلى الله عليه وسلم «5» .
عمل الرسول صلى الله عليه وسلم على إبلاغ رسالة واضحة لزعماء قريش تضمنت أنه لم يأت لحربهم أو حرب غيرهم، وإنما جاء بقصد الاعتمار وتعظيم البيت العتيق وتكريمه وزيارته والطواف به «6» . وقد بيّن الرسول هذه الوجهة لعدد من الرجال المحايدين أحيانا، وبواسطة رسل أرسلهم لهذا الغرض كذلك. وحين وفد عليه بديل بن ورقاء الخزاعي وبيّن له أن قريشا تعتزم صدّ المسلمين عن دخول مكة، أوضح له النبي صلى الله عليه وسلم سبب قدومه وأصحابه، وأظهر التوجّع لما أصاب قريشا من عنادها وحربها، وقد نقل بديل الخزاعي ذلك لقريش فاتهموه وخاطبوه بما يكره، وقالوا:«إن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها عنوة أبدا، ولا تتحدث بذلك العرب» «7» . ثم أرسل خراش بن أميّة الخزاعي- وهو يقصد بيان موقفه أمام الناس جميعا- فعقروا جمله وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش «8» . وأراد أن يرسل عمر بن الخطاب فبيّن عمر شديد عداوته لقريش وعلمها بذلك وبأن قومه من بني عدي يناصبونه العداء ولا يحمونه «9» ، فعدل النبي صلى الله عليه وسلم عنه إلى عثمان بن عفان الذي دخل مكة في جوار أبان بن سعيد بن العاص، وأبلغ قريشا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم «10» ، وحين سمح زعماء قريش لعثمان بالطواف بالبيت العتيق فإنه أبى أن يسبق النبي صلى الله عليه وسلم بالطواف
(1) مسلم- الصحيح- كتاب صفات المنافقين، ص/ 12.
(2)
وهو أحد وديان مكة المكرمة، أعلاه عند وادي العشر وأوسطه منطقة الزاهر، ومصبّه في مر الظهران شمال الحديبية، انظر: البلادي- معجم المعالم الجغرافية ص/ 49.
(3)
البيهقي- دلائل النبوة 2/ 219- 220، الواقدي- المغازي 2/ 582، ابن سعد- الطبقات 2/ 95.
(4)
البخاري- الصحيح (فتح الباري 5/ 329- حديث 2731) .
(5)
البخاري- الصحيح (فتح الباري 5/ 331- حديث 2732) ، وفي رواية صحيحة أخرى أنه صلى الله عليه وسلم دعا بماء فتمضمض ومج في البئر (البخاري- الصحيح، فتح الباري- حديث 2577) ويمكن الجمع بين الحديثين.
(6)
البخاري- الصحيح (فتح الباري- الأحاديث 2731، 2732) .
(7)
أحمد- المسند 4/ 324، وابن إسحاق بإسناد حسن، سيرة ابن هشام 3/ 308.
(8)
أحمد- المسند 4/ 324، الفتح الرباني 21/ 101- 104، ابن سعد- الطبقات 2/ 96- 97.
(9)
أحمد- المسند 4/ 324، ابن هشام- السيرة 3/ 308 بإسناد حسن.
(10)
أحمد- المسند 4/ 324.
بالبيت، وقد أخرت قريش عودته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فحسب المسلمون أنها قتلته «1» ، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل «2» فدعا أصحابه إلى البيعة تحت شجرة سمرة، فبايعوه جميعا على الموت «3» سوى الجد بن قيس وكان من المنافقين «4» ، وكان أول من بايع من الصحابة أبو سنان عبد الله بن وهب الأسدي «5» وتابعه الصحابة يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على بيعته فأثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال:«أنتم خير أهل الأرض» «6» وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: «لا يدخل النّار إن شاء الله من أصحاب الشّجرة أحد الّذين بايعوا تحتها» «7» .
ولما كان عثمان بن عفان قد حبس في مكة، فقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى يده اليمنى وقال:«هذه يد عثمان» ، فضرب بها على يده، وقال:«هذه لعثمان» «8» وبذلك فقد عدّ عثمان بن عفان- رضي الله عنه في المبايعين تحت الشجرة. وقبل أن تتطور الأمور وتتأزم، عاد عثمان إلى معسكر المسلمين بعد بيعة الرضوان هذه مباشرة. وقد عرفت البيعة بذلك لأن الله تعالى أخبر أنه رضي عن المبايعين فيها فقال جل جلاله: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً* وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً «9» .
أرسلت قريش عددا من المبعوثين للتفاوض مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد سفارة بديل بن ورقاء، فقد أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي، وقبل أن يباشر عروة ما عهدت به إليه قريش، ورغبة منه في منع تكرار ما حصل مع بديل قبله من تعنيف وسوء المقالة، وضح لهم موقفه منهم وأقروا له بأنه غير متهم لديهم، ثم أوضح لهم أن ما عرضه عليهم محمد صلى الله عليه وسلم هو أمر رشد دعاهم إلى قبوله، فوافقوا على رأيه، وعندما وصل عروة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، قال له مثل ما قال لبديل فأجابه عروة: «أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله
(1) أحمد- المسند 4/ 324 باسناد حسن وقد تقدم.
(2)
أحمد- المسند 4/ 324.
(3)
البخاري- الصحيح (فتح الباري حديث 4169) ، مسلم- الصحيح- كتاب الإمارة (ص/ 81) ، وفي رواية صحيحة أخرى كانت البيعة على الصبر وعدم الفرار، البخاري- الصحيح (حديث 4169) ، مسلم- الصحيح (3/ 1483، حديث 1856) ، ولا تعارض في ذلك لأن المبايعة على الموت تعني الصبر وعدم التولي، انظر ابن حجر- فتح الباري (شرح الحديث 4169 ج 6/ 118) .
(4)
مسلم- الصحيح 3/ 1483 (حديث 1856) وانظر كتاب الإمارة (ص/ 69) من حديث الصحابي جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما وهو من الذين بايعوا تحت الشجرة.
(5)
ابن حجر- الإصابة ط/ 95- 96 من حديث الشعبي، وقال: وأخرجه ابن منده من طريق عاصم عن ذر بن حبيش، وصححهما.
(6)
البخاري- الصحيح (فتح الباري، حديث 4154) .
(7)
مسلم- الصحيح- كتاب فضائل الصحابة 4/ 1942 حديث 2496) .
(8)
البخاري- الصحيح (فتح الباري، حديث 3698) .
(9)
القرآن الكريم- سورة الفتح، الآيات 18- 19، وانظر الطبري- التفسير 26/ 86.
قبلك؟ «1» .. ولاحظ عروة مبلغ تعظيم المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم وحبهم له وتفانيهم في طاعته، فلما رجع إلى مكة، قال لقريش:«أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكا قط، يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمدا» «2» .
وبعثت قريش بعد ذلك سيد الأحابيش، الحليس بن علقمة الكناني، فلما اقترب من معسكر المسلمين ورآه النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إنّ هذا من قوم يتألّهون فابعثوا الهدي في وجهه حتّى يراه» «3» ، كما أمر المسلمين أن يلبّوا، فلما رأى الحليس الهدي في قلائده، وسمع تلبية المسلمين عاد أدراجه قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك إعظاما لما رأى، وقال لقريش:«رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت» «4» ، فكان جوابهم عليه أن طلبوا منه السكوت واتهموه بالجهل «5» ، وقد أنكر الحليس عليهم موقفهم وقال:«يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، أيصدّ عن بيت الله من جاءه معظما له؟! والذي نفس الحليس بيده لتخلنّ بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد» ، فقالوا له:«كف عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به» «6» .
أرسل زعماء قريش مكرز بن حفص الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه «رجل فاجر» ، ثم أعقبوه بسهيل بن عمرو، فتفاءل النبي صلى الله عليه وسلم بقدومه قائلا لأصحابه:«لقد سهّل لكم أمركم» «7» ، وقال صلى الله عليه وسلم «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل» «8» ، وكانت قريش قد ألزمت سهيل بن عمرو أن «لا يكون في صلحه (محمدا) إلّا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا» ، فلما انتهى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح «9» .
بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يملي شروط الصلح، وعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه هو كاتب الصحيفة «10» ، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم إعطاء عقد الصلح صبغة إسلامية فبدأه بالبسملة، فاعترض سهيل قائلا:«ما (الرحمن) فو الله ما أدري ما هو ولكن اكتب (باسمك اللهم) كما كنت تكتب» ، ورفض المسلمون ذلك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وافق على اعتراض سهيل، ثم اعترض سهيل على عبارة «محمد رسول الله» التي وردت في صدر الصحيفة قائلا: «والله لو كنا
(1) البخاري- الصحيح (فتح الباري- الاحاديث 2731- 2732) ، أحمد- المسند 4/ 324 باسناد حسن.
(2)
مصادر الهامش السابق.
(3)
البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 2731) .
(4)
المرجع السابق (الحديث 2732) .
(5)
ورد في الرواية الصحيحة قولهم له: «اجلس، إنما أنت أعرابي لا علم لك» ، مع أنهم كانوا قد أوفدوه ليفاوض نيابة عنهم.
(6)
البخاري- الصحيح (فتح الباري- الأحاديث 2731، 2732) .
(7)
المرجع السابق (الأحاديث 2731- 2732) .
(8)
المرجع السابق نفسه، وانظر ابن هشام- السيرة 3/ 439 من حديث برواية ابن إسحاق وبإسناد حسن.
(9)
البخاري- الصحيح (الأحاديث 2731- 2) ، ابن هشام- السيرة 3/ 439.
(10)
صرح بهذه التسمية الشيخان (البخاري- الصحيح حديث 2698- 2699، مسلم- الصحيح 3/ 1410 حديث 1783) .
نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب «محمد بن عبد الله» فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«والله إنّي لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمّد بن عبد الله» ، وحين أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبت في صحيفة الصلح عبارة «على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به» إعترض سهيل قائلا:«والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة (قهرا) ، ولكن ذلك في العام المقبل، فنخرج عنها فتدخلها في أصحابك، فأقمت فيها ثلاثا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب» ، فوافق النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك «1» ، ثم قال سهيل:«وعلى أن لا يأتيك منا رجل- وإن كان على دينك- إلّا رددته إلينا» فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن تردّه إليّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنّا لم نقض الكتاب بعد» ، فقال سهيل:«والله إذا لن أصالحك على شيء أبدا» ، وقد حاول النبي صلى الله عليه وسلم استثناء أبا جندل من الشرط غير أن سهيلا أصر على موقفه رغم موافقة مكرز بن حفص على طلب النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يجد النبي صلى الله عليه وسلم إزاء إصرار سهيل بدّا من إعادته إليه «2» .
وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة. وإنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك، وأقمت فيهم ثلاثة معك سلاح الراكب، لا تدخلها بغير السيوف في القرب» (أغمادها) . «4»
ولقد تذمر كثير من الصحابة من أغلب شروط هذا الصلح، وخصوصا من التعديلات التي أحدثها سهيل ابن عمرو فيها وأصر عليها، فقد امتنع علي بن أبي طالب عن محو عبارة «رسول الله» التي كانت قد وردت في ديباجة العقد في بادىء الأمر «5» ، وغضب المسلمون لشرط رد المسلمين لإخوانهم الذين يفرون من مكة إلى
(1) البخاري- الصحيح (فتح الباري، الحديثان 2731- 2732) .
(2)
المرجع السابق نفسه، مسلم- الصحيح 3/ 1410 حديث 1783، عبد الرزاق الصنعاني- المصنف 5/ 343.
(3)
ورد في ثنايا الرواية عن الصلح بعد هذا الموضع من المتن قوله: «فتواثبت خزاعة فقالوا نحن مع عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، وتواثبت بكر فقالوا نحن مع عقد قريش وعهدهم» . ولا شك أن هذا قد حصل في وقت لاحق، بناء على ما ورد في العقد وهو ليس جزءا منه، انظر أحمد- المسند 4/ 325.
(4)
أحمد- المسند 4/ 325، ابن هشام- السيرة 3/ 308 بإسناد حسن.
(5)
البخاري- الصحيح (فتح الباري حديث 2699، 4251، 2698، وقد حصل التباس في تحديد الشخص الذي تولّى الكتابة عند امتناع علي- رضي الله عنه عن ذلك، أورد الامام مسلم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه:«أرني مكانها» فأراه مكانها فمحاها-
المعسكر الإسلامي بغير إذن أوليائهم، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم:«يا رسول الله تكتب هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «نعم.. إنّه من ذهب إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا» «1» .
ولقد ظهر الغضب الشديد على عمر بن الخطاب بسبب ما تضمنته شروط الصلح التي تصور أنها مهينة وأنها لا تعكس موقفا صلبا في الدفاع عن الحق، ولنستمع من عمر- رضي الله عنه إلى ردة فعله حينذاك، قال:«فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقّا؟، قال: «بلى» . قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: «بلى» ، قلت:
فلم نعط الدنية في ديننا إذا؟ قال: «إنّى رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري» ، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى. أفأخبرتك أنّك تأتيه العام؟»
قلت: لا، قال:«فإنّك آتيه ومطوّف به» «2» .
ولما أعاد عمر- رضي الله عنه الكلام مع أبي بكر- رضي الله عنه بمثل ما كلم النبي صلى الله عليه وسلم، قال له أبو بكر:«يا عمر: إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فو الله إنه على الحق» «3» .
ولم يكن المسلمون يشكّون في أنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالبيت العتيق كما سبق وأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جرى صلح الحديبية على الشروط التي تضمنها، فإنهم تألموا وساورت بعضهم الشكوك «حتى كادوا أن يهلكوا» وخصوصا حين أعيد أخوهم أبو جندل وهو يستنجد بهم قائلا: يا معشر المسلمين: أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني عن ديني» والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أبا جندل اصبر واحتسب فإنّ الله- عز وجل جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا» «4» .
وكان عمر يمشي بجانب أبي جندل يغريه بأبيه ويقرب إليه سيفه ولكن أبا جندل لم يفعل، فأعيد إلى المشركين «5» .
ولم تكف قريش عن التحرش بالمسلمين خلال مرحلة المفاوضات وكتابة وثيقة الصلح بل حتى بعد إنجاز
- رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب مكانها «ابن عبد الله» ، ولا يستدل من ذلك على معرفته صلى الله عليه وسلم القراءة والكتابة فإن معرفة رسم هاتين الكلمتين ومحوه لهما أو معرفته رسم اسمه صلى الله عليه وسلم مما يتكرر كتابته أمامه كثيرا من قبل كتابه، لا يخرجه عن كونه أميّا كما وصفه القرآن الكريم، وذهب الجمهور إلى أن المقصود من قوله «كتب» بمعنى أمر بالكتابة انظر ابن حجر- فتح الباري 7/ 504 (حديث 4251) .
(1)
مسلم- الصحيح- كتاب الجهاد ص/ 93، (3/ 1411- حديث 1084) .
(2)
البخاري- الصحيح (فتح الباري، حديث 2731- 2732، 3182) ، مسلم- الصحيح 3/ 1412، حديث 1785، أحمد- المسند 4/ 325 باسناد حسن.
(3)
البخاري- الصحيح الأحاديث 2731، 2732، 3182، وفي مسند أحمد 4/ 325 بإسناد حسن حيث صرح ابن إسحاق بالتحديث (ابن هشام- السيرة 3/ 308) وفيه أن عمر- رضي الله عنه تكلم أولا مع أبي بكر- رضي الله عنه ثم أعاد الكلام مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قوله: يا عمر الزم غرزه (أي تمسك بأمره) حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله قال عمر: وأنا أشهد»
…
كما نقل قول عمر- رضي الله عنه: «ما زلت أصوم وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرا، ويرى ابن حجر أن «جميع ما صدر منه كان معذورا فيه بل هو مأجور لأنه مجتهد» فتح الباري 5/ 346- 7.
(4)
أحمد- المسند 4/ 325.
(5)
المرجع السابق نفسه، والصفحة نفسها.
ذلك؛ وربما كان ذلك من أساليب الضغط على المسلمين خلال مرحلة المفاوضات، وقد تكون التحرشات المتأخرة بسبب طيش شبابها وتهورهم، غير أن الملاحظ هو أن المسلمين قد احتملوا تلك التحرشات بصبر وجلد، وانضباط دقيق، مع يقظة تامة واستعداد، وعند ما حاولت مجموعة كبيرة من رجال قريش قاربت ثمانين رجلّا الاستيلاء على معسكر المسلمين بشكل مباغت، سارع المسلمون بتطويقهم وأسرهم، ثم عفا الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم فأطلق سراحهم «1» ، ثم أسر المسلمون بعد ذلك ثلاثين شابّا من قريش اعتدوا على معسكرهم، وأطلق النبي صلى الله عليه وسلم سراحهم «2» .
كما عفا صلى الله عليه وسلم عن سبعين آخرين أسروا بعد إبرام الصلح، وعن أربعة آخرين كانوا يقعون بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد عقد الصلح واختلاط المسلمين بالمشركين «3» ، وفي ذلك نزل قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ «4» .
وحينما تم الصلح وأبرم العقد، أمر النبي صلى الله عليه وسلم من معه من المسلمين أن ينحروا الهدي ويحلقوا رءوسهم، وكرر ذلك ثلاث مرات فلم يقم أحد منهم بالاستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك ما يعكس الحالة النفسية الانفعالية التي قاسى منها المسلمون حينذاك بسبب استفزازات قريش المتكررة إضافة إلى تصورهم الخاطيء في أن شروط الصلح قد تضمنت إجحافا بهم، وكأنهم كانوا يأملون الرجوع عن الصلح.
قام النبي صلى الله عليه وسلم بمشورة من أم المؤمنين أم سلمة- رضي الله عنها بذبح الهدي وحلق رأسه، فتابعه المسلمون عند ذلك، «فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمّا» «5» فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم «6» وبذلك تحلل النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين من عمرتهم، وشرع التحلل للمحصر وأنه لا يلزمه القضاء «7» .
وبعد أن أقام المسلمون في الحديبية عشرين يوما «8» عاد بهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكانت غيبتهم هذه عنها قد امتدت شهرا ونصف الشهر «9» .
وفي طريق عودة المسلمين من الحديبية تكررت معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في تكثير الطعام والماء «10» ، وأنزلت سورة
(1) مسلم- الصحيح، كتاب الجهاد ص/ 33.
(2)
أحمد- المسند 4/ 86 بسند صحيح.
(3)
مسلم- الصحيح- كتاب الجهاد (ص/ 132) حديث 1807.
(4)
القرآن الكريم- سورة الفتح، الآية/ 24.
(5)
البخاري- الصحيح (فتح الباري- الاحاديث 2731، 2732) ، أحمد- المسند 4/ 326.
(6)
أحمد- المسند 2/ 34 باسناد صحيح.
(7)
البخاري- الصحيح (حديث 2701) ، مسلم- الصحيح، كتاب الجهاد والسير ص/ 97، أبو داود- السنن- كتاب المناسك (م 1749) ، الحاكم- المستدرك 1/ 467.
(8)
وقيل سبعة عشر يوما، انظر الواقدي- مغازي 2/ 616، ابن سعد- الطبقات 2/ 98.
(9)
ابن سيد الناس- عيون الأثر 2/ 123.
(10)
البخاري- الصحيح (فتح الباري، حديث 4152) ، مسلم- الصحيح 3/ 1354 (حديث 1785) ، أحمد- المسند 3/ 417- 418، البيهقي- دلائل النبوة 2/ 222- 3.