الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حلف زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مسّ منها صنما حتى أكرمه الله بالوحي «1» وكان التعري عند الطواف مألوفا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم عصم من ذلك. وقد اشترك مع عمه العباس في نقل الحجارة لما جددت قريش بناء الكعبة، فاقترح عليه عمه العباس أن يرفع إزاره ويجعله على رقبته ليقيه أثر الحجارة ما دام بعيدا عن الناس، فلما فعل ذلك سقط على الأرض مغشيّا عليه، فلما أفاق طلب أن يشدّوا عليه إزاره «2» .
وعرف صلى الله عليه وسلم بالصدق والأمانة، وصلة الأرحام ومساعدة الضعفاء والبذل في الخير، فكانت قريش تلقبه بالأمين، وصفته خديجة- رضي الله عنها بقولها:«إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ» «3» .
وكان أقرب أصدقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسه ثلاثة هم أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله- رضي الله عنهم وثلاثتهم من تجار قريش، وقد اتسموا بالأخلاق العالية، والنظرة السليمة، والبعد عن الرذائل، والتثقف بثقافة حسنة من معرفة الأحساب والأنساب والشعر كما عرفوا بإكرام الضيف والإنفاق في الخير، وهذه الخصال الحميدة قربتهم إلى رسول صلى الله عليه وسلم، فكانوا أصدقاء قبل البعثة، وأتباعه الأولين بعدها، فقد هدتهم فطرتهم إلى الإسلام.
بشارات الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم:
رغم التحريف الحاصل في نسخ التوراة والإنجيل المتداولة حاليّا، فلا زالت نسخة «توراة السامرة» ، «وإنجيل برنابا» الذي حرمت الكنيسة تداوله في آواخر القرن الخامس الميلادي، تحتوي على نصوص صريحة تبشر بظهوره ونبوته صلى الله عليه وسلم. وقد نص إنجيل برنابا على التصريح برسالة محمد صلى الله عليه وسلم مثال ذلك، ما ورد في الإصحاح الحادي والأربعين عن إخراج آدم وحواء من الجنة حيث ورد فيه:«فاحتجب الله، وطردهما الملاك ميخائيل من الفردوس، فلما التفت آدم رأى مكتوبا فوق الباب: لا إله إلّا الله محمد رسول الله» «4» . وقد أيدت المخطوطات التي عثر عليها في منطقة البحر الميت حديثا ما ورد في نصوص إنجيل برنابا المذكورة.
وحين تحدث المسيح- عليه السلام إلى الحواريين عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وبشرهم أنه قادم إلى العالم سأله الحواريون: «يا معلم: من عسى أن يكون ذلك الرجل الذي سيأتي إلى العالم؟» أجاب يسوع بابتهاج قلب: «إنه محمد رسول الله» «5» . ومثل هذه البشارات تتكرر في إنجيل برنابا في مواضع كثيرة.
وفي الإصحاح الثاني من إنجيل لوقا «6» قوله: «الحمد لله في الأعالي وعلى الدنيا السلام، وللناس أحمد» وقد
(1) الطبراني- المعجم الكبير 5/ 88.
(2)
البخاري- الصحيح (فتح الباري 1/ 474) ، مسلم- الصحيح (شرح النووي 4/ 33- 34) .
(3)
البخاري- (فتح الباري 1/ 30، ومسلم (حديث 160) ح 1 ص 141 واللفظ لمسلم.
(4)
انجيل برنابا (مطبوع) الإصحاح 41 الفقرات/ 29- 30.
(5)
انجيل برنابا 163/ 7.
(6)
انجيل لوقا 2/ 14.
تم تحريف الفقرة الأخيرة عند ترجمتها من النص السرياني إلى العربية «1» .
وفي الإصحاح السادس عشر من إنجيل لوقا يرد قول المسيح: «إن لم أنطلق يأتكم الفارقليط» «2» وأما بشارة عيسى ابن مريم- عليهما السلام قومه ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد كانت صريحة نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ «3» .
وكانت صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلاماته قد وردت في كل من التوراة والإنجيل بشكل صريح كما أخبر الله تعالى في الكتاب العزيز بقوله الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «4» .
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الأخبار متواترة بمعرفة أهل الكتاب بصفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم «5» . وقد أخبر الله تعالي بذلك عن أهل الكتاب كما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ «6» .
وعلى الرغم من ثبوت قيام اليهود والنصارى بتحريف التوراة والإنجيل وتعمدهم حذف اسم النبي صلى الله عليه وسلم وحذف النصوص الواضحة الدالة على صفاته كما يتضح ذلك من النقول والاقتباسات التي أوردها العلماء المسلمون في مؤلفاتهم أمثال ابن قتيبة، والماوردي، والقرافي، وابن تيمية، وابن قيم الجوزية، وغيرهم مما يدل على أن التحريف قد استمر حتى العصور المتأخرة، ومع ذلك فقد بقيت بعض النصوص التي تشير بشكل صريح إلى ذلك فقد نصت التوراة المتداولة بين الأحبار على ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة في نص جاء فيه:
«جاء الرب من سينا..
…
واشرق لنا من ساعير
استعلن من جبل فاران
…
ومعه الوف الأطهار
في يمينه سنة نار» «7» .
(1) لقد حقق ذلك واكتشف الخطأ في الترجمة الأستاذ عبد الأحد داود، وانظر: حجازي- التوراة السريانية.
(2)
فارقليط: لفظ سرياني مشتق من «فاران» بمعنى مكة وجبل فاران هو جبل حراء، والقليط بمعنى الجاثم أو المتحنث أو المتعبد وتأتي بمعنى الحامد وأحمد.
(3)
القرآن الكريم- سورة الصف، الآية/ 6.
(4)
القرآن الكريم- الأعراف، الآية/ 157.
(5)
ابن تيمية- الجواب الصحيح 1/ 340.
(6)
القرآن الكريم- سورة البقرة، الآية/ 89.
(7)
الإشارة إلى جبل فاران أي جبل حراء في مكة المكرمة، أما الإشارة إلى الأطهار فقد وردت كذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (التوبة/ 108) .