الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ «1» .
ولذا نجد الجزاء الأخروي على نوعين: الجنة للصالحين، وفيها نعيم مقيم وخلود دائم. والنار للعصاة والمفسدين والفجار خالدين فيها أبدا. ثم هناك الرضوان على المؤمنين وعدم الرضوان على الكفار والفاسدين «2» .
والخلاصة:
أن المؤمن مرتبط دائما بخالقه، وبالقرآن الكريم وبالرسول صلى الله عليه وسلم ولو غفل في ساعة الضعف البشري عن العقوبة الآجلة أو الأخروية لارتكاب المنكر فإن تفهمه للعقوبة الدنيوية وقوة حجمها وشدة وطأتها يبعده عن الاقتراب من المنكر وينهاه عن أن تمتد قدمه أو يده إلى المحرم، ويرجعه إلى رشده وإلى ملكاته العقلية، فيتيقظ لديه الرادع الديني ويخمد نداء الشيطان وسرعان ما يستطيع أن يلجأ إلى الوسيلة التي تطرد عنه وسوسة الشيطان وما قد يزينه له من عمل يراه حسنا، هذه الوسيلة ميسرة ومعروفة لدى كل مسلم، ولا تكلفه سوى التصميم على عمل الخير والإرادة القوية لأن يتجنب طريق الغواية وسبيل الهوى والفساد، هذه الوسيلة هي قول الله تبارك وتعالى:
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ* وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (المؤمنون 97/ 98) .
فالعقوبة الدنيوية طريق لتنبيه الغافلين وإيقاظ اللاهين وحاجز منيع يحول دون تجاوز طريق المباحات إلى المحرمات فكانت كإشارة المرور في الطريق لتبين معالم الخطر وحدود السبل التي يحق للسائق أن يسير بها في سيارته آمنا مطمئنا وحدود السبل التي لا يحق له أن يصل إليها ولا أن يمر بها ولا أن يدخل مداخلها، والرجوع عنها واجتنابها خير من إيقاع الذات بالخطر وخير من المهالك التي قد تقضي عليه وعلى غيره.
والحدود الإسلامية التي هي العقوبات الدنيوية إنما شرعت للحفاظ على حياة الناس وأعراضهم ودمائهم وأعضائهم وقد يكون داعي القتل هو الغضب والعنف أو حب الجاه والمنصب والتعالي على الآخرين وقد عالج الإسلام ذلك بطريقة مثالية واقعية قبل أن يشتد الغضب وقبل أن يغلي حب الانتقام في النفس وقبل أن يسيطر العجب والكبر على الإنسان ويجعله كالريشة في مهب الهواء، فقد عالج الإسلام هذه الحالات النفسية كلها علاجا واقعيا مثاليا، بحيث يستطيع المسلم بعد المواظبة على ذلك العلاج فترة زمنية أن يتخلص من كافة أمراضه النفسية التي أوجدت لديه اختلالا في التوازن النفسي وجموحا نحو زاوية الانحراف والغواية، هذا العلاج يكمن في وسيلتين إحداهما مادية والأخرى معنوية.
أما المادية: فهي الوضوء والغسل وتغير الحالة التي هو فيها، فإن غضب وهو واقف فليمش وإن غضب
(1) ص: 28.
(2)
فى مبحث الجزاء الأخلاقي إلى جانب ما ذكرناه من مراجع يراجع المصدر الرئيسى في هذا المجال وهو كتاب: دستور الأخلاق في القرآن للشيخ دراز ص 245- 417. وسنجد الكثير جدا من الإشارات حول الجزاء في ثنايا الموسوعة.
وهو جالس فلينهض ثم ليأخذ ماء للوضوء والغسل، ومن توضأ فإنه يرى أن لله عليه ركعتين فيصليهما ويسأل الله تبارك وتعالى له الهداية ولمن أغضبه فيستحقق لديه النتائج المرضية للعلاج وهو ذهاب الغضب والصبر على ما لقيه من أخيه المسلم.
أما المعنوية: فهي ذكر الله تبارك وتعالى وذكر الله سبحانه أكبر من الصلاة فيما ينتج عنه من نتائج تلازم الفرد بسبب ملازمته للذكر فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (المؤمنون/ 116) .
إذا توصل المسلم إلى هذه المرحلة وإلى هذا العلاج النفسي والوجداني فسوف يلمس في نفسه الإحساس بالارتياح والاستقرار والأمن والطمأنينة وسوف يتجنب كل شر قد خطر له أو عرض لذهنه لحظة من الدهر، وهكذا في كل الحالات النفسية التي فيها ضعف أو فيها مرض فإن الإسلام يضع الأسباب الوقائية التي تحول دون أن يصل المسلم إلى الحالة المرضية أو إلى الضغط النفسي الشديد الذي يعمي البصر أو يصم السمع أو يغلق القلب.
فإن لم تجد معه الأسباب الوقائية ووقع في المرض النفسي فإن الإسلام يرشده إلى العلاج النفسي الذي يشفيه مما ابتلي به من أمراض قال الله تبارك وتعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (الإسراء/ 82) وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (يونس/ 57) وهكذا أرشدنا القرآن والسنة المطهرة إلى أن من وجد في صدره شيئا من الضيق أو القلق أو الاضطراب أو نزوعا للاعتداء على الآخرين فليفتح كتاب الله- تبارك وتعالى بعد الوضوء وبعد الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان وليقرأ ما تيسر له من الآيات الكريمة، أو ليستمع لغيره وهو يتلو كتاب الله تعالى فإن كافة تلك الأمراض الباطنية ستتقلص وتخف شدتها بالتدريج ثم تزول نهائيا.
فإن كان المرض مسيطرا ومتغلبا لديه وقد أسفر اتجاهه نحو الانحراف ونحو ارتكاب الجريمة التي اتجه إليها فليقرأ عقوبة هذه الجريمة وليتصور نفسه أنه قد وقعت عليه هذه العقوبة وأقيم عليه الحد، فماذا يا ترى؟ هل يستمر لديه خاطر الشر أم أنه يخمد نهائيا، ويزول تماما؟ فمن قوي لديه الانحراف في طلب الرزق وفكر في السرقة فليتصور نفسه ويده مقطوعة، فبم يأكل وبم يحمل الأشياء وكيف يعمل؟ وما هو موقفه من أسرته، من أولاده وزوجته، وقد جعلوه قدوة لهم، وهم يصبرون على الجوع ولا يصبرون على المحرم ولا يريدون أن يروا رب أسرتهم مقطوع اليد حدا. إنها آثار سيئة ومشينة ومكروهة من جميع أفراد المجتمع المحيط بهذا الإنسان، ثم ماذا هل يكتب على نفسه أن يكون في عداد المجرمين العابثين بأمن الأفراد والمجتمع؟ «1» .
(1) بتصرف واختصار يسير عن: القضاء في الإسلام ودوره في القضاء على الجريمة، ج 1، ص 307- 310.