الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول مفهوم الأخلاق.. أصالتها في الفكر الإسلامي.. وظائفها
ما الأخلاق
؟
لكلمة «الأخلاق» وكلمة «خلقي» تأثير خاص، كان مدعاة للاختلاف حول تحديد هذا اللفظ، ومن ثمّ تعددت الآراء حول تحديد معنى
الأخلاق لغة
واصطلاحا على النحو الذي نوضحه فيما يلي:-
الأخلاق لغة:
الأخلاق في اللغة جمع خلق، والخلق اسم لسجية الإنسان وطبيعته التي خلق عليها، وهو مأخوذ من مادة (خ ل ق) التي تدل على تقدير الشيء. يقول ابن فارس: ومن هذا المعنى (أي تقدير الشيء) الخلق، وهو السّجية لأن صاحبه قد قدّر عليه، يقال: فلان خليق بكذا (أي قادر عليه وجدير به) ، وأخلق بكذا أي ما أخلقه، والمعنى هو ممن يقدّر فيه ذلك، والخلاق: النصيب لأنه قد قدّر لكل أحد نصيبه «1» .
وقال الراغب: الخلق والخلق (والخلق) في الأصل واحد لكن خصّ الخلق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة «2» . قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم/ 4) ، الخلق العظيم هنا هو- كما يقول الطبري- الأدب العظيم، وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله به وهو الإسلام وشرائعه، وقد روى هذا المعنى عن ابن عباس- رضي الله عنهما في قوله: لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ المعنى: على دين عظيم وهو الإسلام. وعن مجاهد في قوله: خُلُقٍ عَظِيمٍ قال: الدين. وعن عائشة- رضي الله عنها عند ما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: «كان خلقه القرآن» . قال قتادة: تقول: كما هو في القرآن «3» .
وذكر القرطبي أن المراد بالخلق العظيم أدب القرآن، وقيل: هو رفقه بأمته وإكرامه إياهم، وقيل المراد: إنك على طبع كريم «4» ، وقال أيضا: حقيقة الخلق في اللغة هو ما يأخذ به الإنسان نفسه من الأدب لأنه يصير كالخلقة فيه، وأما ما طبع عليه الإنسان من الأدب فهو الخيم أي السّجية والطبع، وعلى ذلك يكون الخلق: الطبع المتكلف، والخيم الطبع الغريزي، وقد ذكر الأعشى ذلك في شعره فقال:
وإذا ذو الفضول ضنّ على المو
…
لى وعادت لخيمها الأخلاق
أي رجعت الأخلاق إلى طبيعتها «5» . وقد رجح القرطبي تفسير عائشة- رضي الله عنها للخلق العظيم
(1) مقاييس اللغة لابن فارس 2/ 214.
(2)
المفردات للراغب ص 158.
(3)
انظر هذه الآثار (وغيرها مما لا يخرج عنها) في تفسير الطبري، مجلد 12، جزء 28، ص 13 (ط. الريان) .
(4)
تفسير القرطبي 18/ 227.
(5)
المرجع السابق نفسه، الصفحة نفسها.
بأنه القرآن «1» ، وسمي خلقه عظيما لأنه لم تكن له صلى الله عليه وسلم همة سوى الله تعالى، وقيل: لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، وقيل: لأنه امتثل تأديب الله إيّاه «2» . وقال الماوردي في الخلق العظيم ثلاثة أوجه: أحدها: أدب القرآن، الثاني: دين الإسلام، الثالث: الطبع الكريم وهو الظاهر.
قال: وحقيقة الخلق ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب، سمي بذلك لأنه يصير كالخلقة فيه «3» .
والخلاق: ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه «4» . قال تعالى: ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (البقرة/ 102)، الخلاق قيل: النصيب، وقيل: الدين، وقيل: القوام، وقيل: الخلاص، وقيل: القدر «5» ، والأول قول مجاهد.
قال القرطبي: وكذلك هو عند أهل اللغة إلّا أنه لا يكاد يستعمل إلّا للنصيب من الخير «6» . والخليقة: الطبيعة، وجمعها خلائق، قال لبيد:
واقنع بما قسم المليك فإنّما
…
قسم الخلائق بيننا علّامها
والخلقة (بالكسر) الفطرة، يقال: خلق فلان لذلك، كأنه ممن يقدّر فيه ذلك وترى فيه مخائله. والخلق والخلق: السّجية، وفلان يتخلق بغير خلقه أي يتكلفه، قال الشاعر (سالم بن وابصة) :
يا أيّها المتحلّي غير شيمته
…
إنّ التّخلّق يأتي دونه الخلق «7» .
وقال ابن منظور: الخلق هو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أن صورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما (أي للصورتين) أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلّقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكررت الأحاديث في مدح حسن الخلق «8» ، أما قول الله تعالى: إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (الشعراء/ 137) . فالخلق قيل: هو شيمة الأولين، وقيل: عادة الأولين، أما قراءة خلق (بفتح الخاء وسكون اللام) ، فالمراد به الافتراء والكذب «9» ، أي أنه في معنى الاختلاق وقال صاحب «التحرير والتنوير» في تفسير هذه الآية: الخلق السجية المتمكنة في النفس باعثة على عمل يناسبها من خير أو شر، وتشمل طبائع الخير وطبائع الشر ولذلك لا
(1) انظر حديث عائشة- رضي الله عنها في صفة حسن الخلق (حديث رقم 5) .
(2)
تفسير القرطبي 18/ 228.
(3)
تفسير الماوردي (النكت والعيون) 6/ 61- 62.
(4)
مفردات الراغب 158.
(5)
تفسير البحر المحيط لأبي حيان 1/ 503.
(6)
تفسير القرطبي 2/ 56.
(7)
الصحاح 4/ 471.
(8)
لسان العرب 10/ 86 (ط. بيروت) ، وانظر هذه الأحاديث في صفة حسن الخلق.
(9)
لسان العرب 10/ 88 (ط. بيروت) .