الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قعر الجفنة. وقال: «خذ يا جابر! فصبّ عليّ. وقل باسم الله» فصببت عليه وقلت: باسم الله. فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمّ فارت الجفنة ودارت حتّى امتلأت. فقال:«يا جابر ناد من كان له حاجة بماء» قال:
فأتى النّاس فاستقوا حتّى رووا. قال: فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملأى» «1» .
قال المزنيّ- رحمه الله: نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى عليه السلام بالعصا فتفجّرت منه المياه لأنّ خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروج الماء من بين اللّحم والدّم. انتهى» .
تكثيره الطّعام والشّراب صلى الله عليه وسلم:
فأمّا الطّعام:
فقد وقع ذلك منه صلى الله عليه وسلم مرّات عديدة، فمن ذلك ما رواه البخاريّ ومسلم عن قصّة ضيافة أبي طلحة الأنصاريّ- رضي الله عنه، كما حدّث بها أنس بن مالك- رضي الله عنه؛ فإنّه قال: قال أبو طلحة لأمّ سليم: قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا. أعرف فيه الجوع. فهل عندك شيء؟ فقالت: نعم. فأخرجت أقراصا من شعير: ثمّ أخذت خمارا لها. فلفّت الخبز ببعضه، ثمّ دسّته تحت ثوبي. وردّتني «3» ببعضه. ثمّ أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فذهبت به فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد. ومعه النّاس فقمت عليهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أرسلك أبو طلحة؟» قال فقلت: نعم. فقال: «ألطعام؟» فقلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه:«قوموا» قال:
فانطلق وانطلقت بين أيديهم. حتّى جئت أبا طلحة، فأخبرته. فقال أبو طلحة: يا أمّ سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنّاس. وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. قال: فانطلق أبو طلحة حتّى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتّى دخلا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلمّي ما عندك يا أمّ سليم» «فأتت بذلك الخبز. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتّ. وعصرت عليه أمّ سليم عكّة «4» لها فأدمته «5» . ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول.
ثمّ قال: «ائذن لعشرة «6» » فأذن لهم فأكلوا حتّى شبعوا ثمّ خرجوا. ثمّ قال: «ائذن لعشرة» فأذن لهم فأكلوا حتّى
(1) رواه مسلم برقم (3013) .
(2)
نقله عنه ابن عبد البر. انظر فتح الباري (6/ 677) .
(3)
وردتني: أي جعلت بعضه رداء على رأسي.
(4)
عكة: بضم العين وتشديد الكاف هي وعاء صغير من جلد للسمن خاصة.
(5)
فأدمته: هو بالمد والقصر، لغتان، آدمته وأدمته. أي جعلت فيه إداما.
(6)
ائذن لعشرة: إنما أذن لعشرة عشرة ليكون أرفق بهم. فإن القصعة التي فت فيها تلك الأقراص لا يتحلق عليها أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقهم، لبعدها عنهم. انظر فيما سبق شرح النووي على صحيح مسلم (13/ 219- 220) .
شبعوا ثمّ خرجوا. ثمّ قال: «ائذن لعشرة» حتّى أكل القوم كلّهم وشبعوا. والقوم سبعون رجلا أو ثمانون» «1» .
- قصّة جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما في غزوة الخندق:
ومن تكثيره الطّعام صلى الله عليه وسلم أيضا، ما وقع مع جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما في الخندق حيث يقول جابر:
«لمّا حفر الخندق رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا «2» . فانكفأت «3» إلى امرأتي. فقلت لها: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا. فأخرجت لي جرابا «4» فيه صاع من شعير. ولنا بهيمة «5» داجن «6» قال: فذبحتها وطحنت. ففرغت إلى فراغي. فقطّعتها في برمتها. ثمّ ولّيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه. قال: فجئته فساررته. فقلت: يا رسول الله! إنّا قد ذبحنا بهيمة لنا. وطحنت صاعا من شعير كان عندنا.
فتعال أنت في نفر معك. فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «يا أهل الخندق! إنّ جابرا قد صنع لكم سورا «7» فحيهلا «8» بكم «وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنزلنّ برمتكم ولا تخبزنّ عجينتكم، حتّى أجيء» فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم النّاس. حتّى جئت امرأتي. فقالت: بك. وبك «9» . فقلت: قد فعلت الّذي قلت لي «10» . فأخرجت له عجينتنا فبصق فيها وبارك. ثمّ عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك. ثمّ قال: «ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم «11» ولا تنزلوها» وهم ألف. فأقسم بالله! لأكلوا حتّى تركوه وانحرفوا «12» . وإنّ برمتنا لتغطّ «13» كما هي.
وإنّ عجينتنا- أو كما قال الضّحّاك- لتخبز كما هو «14» » «15» .
(1) رواه البخاري. انظر الفتح 6 (3578) . ورواه مسلم- واللفظ له- برقم (2040) .
(2)
خمصا: الخمص خلاء البطن من الطعام.
(3)
فانكفأت: أي انقلبت ورجعت.
(4)
جرابا: هو وعاء من جلد معروف. بكسر الجيم وفتحها. والكسر أشهر.
(5)
بهيمة: تصغير بهمة. وهي الصغيرة من أولاد الضأن. قال الجوهري: وتطلق على الذكر والأنثى كالشاة والسخلة الصغيرة من أولاد المعز.
(6)
داجن: الداجن ما ألف البيوت.
(7)
سورا: بضم السين وإسكان الواو، غير مهموز، هو الطعام الذي يدعى إليه. وقيل الطعام مطلقا. وهي لفظة فارسية.
(8)
فحيهلا: بتنوين هلا، وقيل: بلا تنوين، على وزن علا. ومعنى حيهل، عليك بكذا، أو ادع بكذا، هكذا قاله أبو عبيد وغيره. وقيل: معناه اعجل به. وقال الهروي: معناه هات وعجل به.
(9)
بك وبك: أي ذمته ودعت عليه. وقيل: معناه بك تلحق الفضيحة وبك يتعلق الذم وقيل: معناه جرى هذا برأيك وسوء نظرك وتسيبك.
(10)
قد فعلت الذي قلت لي: معناه أني أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بما عندنا، فهو أعلم بالمصلحة.
(11)
واقدحي من برمتكم: أي اغرفي. والمقدح المغرفة- يقال: قد قدحت المرق أقدحه، غرفته.
(12)
تركوه وانحرفوا: أي شبعوا وانصرفوا.
(13)
لتغط: أي تغلي ويسمع غليانها.
(14)
كما هو: يعود إلى العجين. انظر فيما سبق شرح النووي على صحيح مسلم (13/ 215- 217) .
(15)
رواه البخاري. انظر الفتح 7 (4102) . ورواه مسلم- واللفظ له- برقم (2039) .