الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «1» .
ولقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصار ثناء عظيما فقال صلى الله عليه وسلم في مناسبة تالية: «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» «2» ، وقال صلى الله عليه وسلم:«ولو سلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم» «3» .
بناء المسجد النبوي:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حيث أدركته الصلاة وكان رجال من المسلمين يقيمون الصلاة في مبرك ناقة النبي صلى الله عليه وسلم عند بيت أبي أيوب الأنصاري، وكانت الأرض لسهل وسهيل، وهما غلامان يتيمان من بني النجار، وفيها نخل لهما «4» . كما كانت فيها بعض قبور المشركين، وقد اشتراها النبي صلى الله عليه وسلم، وتولى المسلمون تسويتها وقطع نخيلها ونقل قبورها وحجارتها، فجعلوا صخورها وجذوع نخلها في قبلة المسجد «5» . وقد ساهم النبي صلى الله عليه وسلم مع المسلمين من المهاجرين والأنصار في المدينة في بناء المسجد، وكانوا في حالة من السعادة الغامرة والسرور العظيم، وهم يهزجون:
«اللهمّ إنّه لا خير إلّا خير الآخره
…
فانصر الأنصار والمهاجره» «6» .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم في العمل من يجيده، وأورد البخاري قوله صلى الله عليه وسلم:«قرّبوا اليمامي «7» من الطّين، فإنّه أحسنكم له مسّا، وأشدّكم له سبكا» «8» . وفي رواية صحيحة أخرى:«دعوا الحنفي والطين، فإنه أضبطكم» «9» .
وكان عمار بن ياسر من العاملين المجيدين في بناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حين كان كل واحد من الصحابة يحمل لبنة واحدة في كل مرة، كان عمار يحمل لبنتين واحدة عنه وأخرى عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فأكرمه النبي صلى الله عليه وسلم بأن مسح على ظهره مبرّكا وقال له:«للناس أجر ولك أجران.. وتقتلك الفئة الباغية» «10» . وقد تم بناء المسجد أول الأمر بالجريد، واستغرق بناؤه إثنى عشر يوما «11» .
(1) القرآن الكريم- سورة الحشر، الأية/ 9.
(2)
البخاري- الصحيح (فتح الباري 7/ 112) .
(3)
المرجع السابق 7/ 110.
(4)
المرجع السابق 7/ 265.
(5)
المرجع السابق 7/ 265.
(6)
المرجع السابق 7/ 265.
(7)
المقصود هو: الطلق بن علي اليمامي الحنفي انظر ترجمته في الخزرجي- تذهيب 2/ 14 (ترجمة 3210) .
(8)
ابن حجر- فتح الباري 3/ 112.
(9)
المرجع السابق 3/ 112، والإصابه 2/ 232، البيهقي- دلائل النبوة (2/ 545) بإسناد صحيح، وابن حبان- الزوائد ص/ 98 (رقم 303) .
(10)
مسلم- الصحيح 4/ 2236 (حديث 2916) ، وأحمد- المسند 3/ 5، 4/ 319، الحاكم- المستدرك 3/ 389 وهذا الحديث من دلائل النبوّة، فقد قتل عمار في صفين خلال أحداث الفتنة التي جرت بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنهما، وقد فصل ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 238- 39) وابن حجر في فتح الباري (3/ 110- 112) في ذلك.
(11)
البيهقي- دلائل النبوة (2/ 506) بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير، ابن حجر- فتح الباري 7/ 246 نقلا عن الزبير بن بكار. وتشير الرواية الأخيرة إلى أنه قد أعيد بناؤه باللبن بعد الهجرة بأربع سنين.
وبعد الفراغ من بناء المسجد النبوي بنيت بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على شاكلة بناء المسجد «1» . وكانت إلى جنب المسجد قصيرة البناء متقاربة «2» . ولم يكن في المسجد النبوي حين بني منبر يخطب الناس عليه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وهو مستند إلى جذع عند مصلّاه، ثم اتخذ له كرسيا بدرجتين «3» .
وواجه المسلمون المهاجرون من مكة الكثير من المصاعب الصحية الناجمة عن اختلاف المناخ، ذلك أنهم لم يكونوا قد اعتادوا على البرودة القاسية، والرطوبة العالية وقد تفشت بينهم الحمى، وينقل البخاري مرويات عن بعض كبار الصحابة من المهاجرين الذين أصابهم المرض، وكان أبو بكر الصديق ممن أصيب بالحمى «4» . ويذكر عنه أنه إذا أخذته الحمى كان يقول:
كل امريء مصبّح في أهله
…
والموت أدنى من شراك نعله
وكان بعض الصحابة يظهرون السأم من الإقامة في المدينة بسبب ذلك ويشتاقون إلى العودة إلى مكة، وذلك ما كان يشعر به بلال الحبشي- رضي الله عنه فكان إذا ما انتهت دورة الحمى التي كانت تأخذه ينشد «5» .
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
…
بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنّة
…
وهل يبدون لي شامة وطفيل
وحين علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك من أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها قال: «اللهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكّة أو أشدّ، وصحّحها، وبارك لنا في صاعها ومدّها، وانقل حمّاها فاجعلها بالجحفة» «6» . وقال أيضا:
«اللهمّ أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم» «7» .
لقد صارت الهجرة فرضا واجبا على كل مسلم في تلك المرحلة من أجل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته ومواساته بالنفس، وتعزيز وتقوية معسكر الإيمان، والابتعاد عن الفتنة من الكافرين، ولقد استمر الحث على الهجرة وبيان فضل المهاجرين بنزول الآيات القرآنية، واستمر معها تدفق المهاجرين من كل مكان. وتتابعت الآيات بالأمر
(1) ابن حجر- فتح الباري 3/ 112- 114، ابن كثير- البداية 3/ 222، ابن سعد- الطبقات 1/ 240.
(2)
أحمد- الفتح الرباني 21/ 6- 7، ابن كثير- البداية 3/ 241- 2 وقد بنيت في بداية الأمر حجرتان إحداهما لأم المؤمنين سودة بنت زمعة، والأخرى لأم المؤمنين عائشة بنت الصديق وهما أول بيتين بنيا، ونقل البخاري عن الحسن البصري قوله أنه دخل حجرات نساء النبي في خلافة عثمان وأنه كان يتناول سقفها بيده، ابن كثير- البداية والنهاية 3/ 241، الشامي- سبل الهدى 3/ 508.
(3)
أورد البخاري في صحيحه (فتح الباري: ح 3584، 3585) خبرا عن حنين الجذع، ونقله ابن كثير- البداية 3/ 239- 240، وأورد البيهقي في دلائل النبوة 2/ 559 تعقيب الحسن البصري على ذلك بعد ذكره الحديث عن أنس- رضي الله عنه.
(4)
يظهر من وصف المصادر لحالة المرض، والدورات التي تنتابهم فيها الحمى أنها- على الأرجح مرض الملاريا.
(5)
نقل البخاري في الصحيح «عن- بلال رضي الله عنه اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء
…
» (الفتح الحديث 1889) .
(6)
البخاري- الصحيح (فتح الباري 7/ 262) .
(7)
البخاري- الصحيح (فتح الباري 7/ 269) .
بالهجرة وبيان عظيم أجرها حتى وعد الله تعالى المهاجرين بمنعهم وحمايتهم وتمكينهم من مراغمة أعدائهم والتوسعة عليهم في أرزاقهم قال تعالى: وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً «1» .
وقال تعالى: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ «2» . وقد شرع الله تعالى الهجرة على المسلمين القادرين عليها ومنعهم من الاستمرار في الإقامة مستضعفين مع المشركين، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً «3» .
وتغلب المهاجرون على المشكلات العديدة، واستقروا في دار الهجرة مغلبين متطلبات الدعوة ومصالح العقيدة.
ولقد تأخر بعض المسلمين بمكة عن الهجرة تحت ضغوط أزواجهم وأولادهم، فلما هاجروا ووجدوا أن من سبقهم بالهجرة من إخوانهم قد تفقهوا في الدين، تألموا وهمّوا بمعاقبة ذويهم، وكان ذلك سببا في نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «4» .
ومما يمكن ملاحظته أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استبدل اسم يثرب فقد أورد مسلم حديثا عن جابر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ الله تعالى سمّى المدينة: طابة» «5» .
وروى البخاري بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطّاعون ولا الدّجّال» «6» . وروى أحمد في مسنده بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سمّى المدينة يثرب فليستغفر الله- عز وجل هي طابة، هي طابة» «7» . وقد سماها الله تعالى في كتابه العزيز «المدينة» في مواضع متعددة «8» .
لم يعد سكان المدينة، كما كانوا عليه قبل الهجرة، يقتصرون على يهود وأوس وخزرج، فقد استوطنها المهاجرون من قريش وغيرهم من القبائل الأخرى «9» . وحيث إن أساس المجتمع الجديد يستند إلى العقيدة التي
(1) القرآن الكريم- سورة النساء، الآية/ 100.
(2)
القرآن الكريم- سورة الحج، الآية/ 58.
(3)
القرآن الكريم- سورة النساء، الآية/ 97.
(4)
القرآن الكريم- سورة التغابن، الآية/ 14.
(5)
مسلم- الصحيح (2/ 1007 حديث 1385) ، وقد أورده عمر بن شبة في تاريخ المدينة 1/ 164.
(6)
البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 7133) .
(7)
أحمد- المسند 4/ 285 بسنده إلى البراء بن عازب، وانظر ابن حجر في الفتح، والهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 300، ابن شبة- تاريخ المدينة 1/ 164- 65.
(8)
القرآن الكريم- سورة التوبة، الآية/ 101، 120، سورة الأحزاب- الآية/ 60، سورة المنافقون- الآية/ 8 كما ورد اللفظ نفسه ليعرف مواضع أخرى في مناطق متعددة من جزيرة العرب ومصر.
(9)
ابن هشام- السيرة 2/ 115- 144، 342- 346، ابن سعد الطبقات 2/ 12.