الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قريش، فخرج من المدينة وحده حتى أتى سيف البحر «1» .
فهم المسلمون المستضعفون بمكة من مقالة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بصير أنه بحاجة إلى أن يدعمه إخوانه من مسلمي مكة، فأخذوا يتسللون من مكة فرارا إلى أبي بصير عند سيف البحر، وكان من بين من لحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو وآخرون، حتى اجتمعت معه عصبة كبيرة، تسببت في نكبة كبيرة لتجارة قريش إلى الشام، فقد تعرضوا لقوافل قريش التجارية، يقتلون رجالها وحراسها ويستولون على أموالها وعيرها، فاضطرت قريش إلى التنازل عن البند الخاص بإعادة المسلمين الفارّين من قريش إلى ذويهم، وكتبت تستنجد بالنبي صلى الله عليه وسلم «تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم» وهم بناحية العيص، فاستجابوا وقدموا عليه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة «2» . وبعد هذا الحدث وبعد أن تنازلت قريش عن شرط إعادة المسلمين من قريش إلى ذويهم جاء إسلام خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وهذا عزز معسكر المسلمين وقدراته، وخذّل قريشا وأحرجهم.
ولقد اقتصر الرسول صلى الله عليه وسلم في البداية على رد المسلمين الفارّين من الرجال بموجب بنود الصلح، أما النساء فلم يردّهن، ويرجع السبب في ذلك إما لعدم دخولهن في بنود العهد أصلا «3» ، أو لأن القرآن قد نسخ ما ورد بحقهن في العقد في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «4» .
استمرت هدنة الحديبية نحو السبعة عشر أو الثمانية عشر شهرا، قبل أن تنقض قريش الهدنة حيث أعانت حلفاءها بني بكر ضد خزاعة حلفاء المسلمين على ماء الوتير قرب مكة، مما كان سببا في إبطال المعاهدة ومهد لفتح مكة.
رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء:
لقد كان صلح الحديبية فتحا كبيرا للإسلام، ذلك أنه أتاح الفرصة لتوسيع نطاق الدعوة إلى الله- عز وجل داخل جزيرة العرب وخارجها، فقد وردت رواية صحيحة «5» ، تضمنت نص كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعثه
(1) البخاري- الصحيح (فتح الباري 5/ 332 حديث 2731، 2732) .
(2)
البخاري- الصحيح (فتح الباري 5/ 332، حديث 2732) ، البيهقي- السنن 9/ 227، وقد وردت روايات متعددة حول عددهم فقد ساقه البيهقي من رواية الزهري مرسلا، ويذكر أنهم كانوا ثلاثمائة رجل في حين وردت روايات أخرى تجعلهم بين 60- 70 رجلا، وفي دلائل النبوة أن أبا بصير توفي قبل أن يقدموا المدينة، وأن أبا جندل قدم بالرجال بعد أن دفنه (2/ 343- 4) .
(3)
وقد ورد في نصوص البخاري: «وعلى أنه لا يأتيك منا رجل» انظر (فتح الباري الاحاديث 2711، 2712)، وقد ورد أيضا نصّا آخر:«وعلى أنه لا يأتيك منا أحد» (فتح الباري 6/ 240) .
(4)
القرآن الكريم- سورة الممتحنة، الآية/ 10.
(5)
حديث أبي سفيان الطويل في صفة النبي صلى الله عليه وسلم والذي ورد في الصحيحين: البخاري- الصحيح (فتح الباري 1/ 32- الأحاديث 2940- 2941) ، مسلم- الصحيح 3/ 1393- 1397، حديث 1773) .
مع دحية الكلبي إلى هرقل- عظيم الروم «1» وذلك في مدّة هدنة الحديبية، وهو كما يلي:
ولقد تسلم هرقل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ودقق في الأمر كما في الحديث الطويل المشهور بين أبي سفيان وهرقل المروي في الصحيحين حين سأله عن جميع أحوال النبي، وقال بعد ذلك لأبي سفيان:«إن كان ما تقول حقّا فسيملك موضع قدميّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه» «4» .
وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب إلى كسرى ملك الإمبراطورية الفارسية، مع عبد الله بن حذافة السهمي، «أمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين «5» ، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزّقوا كلّ ممزّق» «6» .
(1) دفعه دحية الكلبي إلى عظيم بصري فدفعه إلى هرقل.
(2)
القرآن الكريم- سورة آل عمران، الآية/ 64.
(3)
استشكل عدد من الحفاظ المتأخرين ورود هذه الآية في الخطاب الذي ثبت أنه أرسل آخر العام السادس الهجري خلال هدنة الحديبية- وذلك لأنهم قالوا إنها إنما نزلت في السنة التاسعة بمناسبة قدوم وفد نجران، في حين وردت روايات أخرى تشير إلى أنها نزلت في يهود المدينة، ولعل في إيراد الشيخين لها في هذا الموضع ما يشير إلى ترجيهما لنزولها قبل تاريخ الرسالة، وقد وردت تفصيلات عن تتمة الخبر في موارد الظمآن لابن حبان (حديث 1628) بإسناد صحيح، وفي كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص/ 255) بإسناد صحيح، وانظر مسلم (شرح النووي 12/ 107، كتاب الجهاد/ 5، كتب النبي صلى الله عليه وسلم .
(4)
مسلم- الصحيح 3/ 1393- 7، (حديث 1773) .
(5)
وهو ملك البحرين المنذر بن ساوى كما في شرح المواهب اللدنية للزرقاني (3/ 341) ، ولم يرد في صحيح البخاري اسم عظيم البحرين (فتح 8/ 128) .
(6)
البخاري- الصحيح (فتح الباري 8/ 26/ ح/ 4424) وقد ثبت أن الملك كسرى أبرويز بن هرمز هو الذي تسلم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ومزقها، قد مات في مارس 628 م بمؤامرة دبرها له ولده شيرويه، وذلك يطابق ما أوردته النصوص من أن موته كان بعد ذلك ببضعة أشهر. الرواية مطولة في الطبري- تاريخ 2/ 655- 657، وانظر ابن سعد- الطبقات 1/ 260، وقد حصل اختلاف كبير بين المصادر بشأن تاريخ الرسالة إلّا أن المعوّل عليه هو ما ذكره ابن القيم: أن إرسالها قد جرى في محرم سنة 7 هـ (زاد المعاد 1/ 30) ، وأما في تاريخ خليفة ابن خياط ص/ 79، والواقدي (السيرة لابن هشام 4/ 279) ، والطبري- تاريخ 2/ 288) ، فقد جعلوها سنة 6 هـ، ولم يحدد البخاري تاريخا للرسالة. وإنما مر بذكرها بعد حديثه عن غزوة تبوك دون مراعاة لعنصر الزمن مما يشير إلى أنه أراد الإشعار بها، وذلك ما ذهب إليه ابن حجر (فتح 1/ 39، 8/ 129) .
أما نص الرسالة فقد ورد في التاريخ للطبري «1» والأموال لأبي عبيدة القاسم بن سلام «2» ، كما أورده ابن طولون في إعلامه «3» ونص الكتاب كما أورده الطبري كالتالي:«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله، إلى النّاس كافة، لينذر من كان حيّا، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس» «4» .
أما كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ملك الحبشة فقد ثبت أنه أرسله مع عمرو بن أمية الضمري، وأورد الإمام مسلم خبر إرسال الكتاب، وأوضح أن النجاشي المقصود ليس النجاشي الذي أسلم «5» ، وأورد أبو داود في سننه قطعة من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي «6» . ونقل الزيلعي وابن طولون وغيرهما نص كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي برواية الواقدى «7» ، وقد جاء فيه:«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد رسول الله، إلى النّجاشيّ ملك الحبشة، أسلم أنت، فإنّي أحمد إليك الله الّذي لا إله إلّا هو الملك القدّوس السّلام المؤمن المهيمن، وأشهد أنّ عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطّيّبة الحصينة فحملت به، فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده، وإنّي أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة عن طاعته، وأن تتّبعني وتؤمن بالّذي جاءني فإنّي رسول الله، وإنّي أدعوك وجنودك إلى الله- عز وجل، وقد بلّغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسّلام على من اتّبع الهدى» «8» .
(1) الطبري- تاريخ الرسل والملوك 2/ 654- 5 وروايته بإسناد مرسل.
(2)
أبو عبيد- الأموال 253 بإسناد مرسل.
(3)
ابن طولون- إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين ص/ 61- 2.
(4)
تاريخ 2/ 654- 655 واورد الطبري بعدها نص الرسالة برواية ابن إسحاق وقد جاء فيها بعد التشهد عبارة، «وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيّا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك» (2/ 654- 5) .
(5)
مسلم- الصحيح 3/ 1397 حديث 1774، وعن حامل الرسالة انظر أسد الغابة 4/ 193- 4، ابن سعد- الطبقات 2/ 258.
(6)
أبو داود- السنن 4/ 490 كتاب الملاحم- النهي عن تهييج الحبشة (حديث 4309) ، ولم يثبت نص الكتاب فقد أورده ابن إسحاق دون إسناد (مسلم- الصحيح 3/ 1397)(حديث 1774) وذكرت المصادر عددا من النصوص الاخرى التي لا تثبت عند المحدثين إذ وردت دون أسانيد صحيحة.
(7)
الزيلعي- نصب الراية لأحاديث الهداية 4/ 421، ابن طولون- إعلام السائلين ص 50- 1 ونقل عن ابن المديني نصوص جواب النجاشي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، انظر ابن طولون- إعلام السائلين ص/ 50، الزيلعي- نصب الراية 4/ 421، الطبري- تاريخ 2/ 653، ابن سيد الناس- عيون الأثر 2/ 264- 265. ومع أن إسلام النجاشي وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب عليه عند وفاته سنة 9 هـ هي من الأمور الثابتة والصحيحة، فإن حال الكتاب الذي أرسله لم يثبت من طريق صحيح (حميد الله الحيدر آبادي- مجموعة الوثائق- الأرقام 23، 24) .
(8)
الزيلعي- نصب الراية 4/ 421.
أما كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس حاكم مصر «1» وكذلك رد المقوقس إليه «2» فلم تثبت من طرق صحيحة، ولا يعني ذلك نفي إرسال الكتاب إليه، كما أن ذلك لا يعني الطعن بصحة النصوص من الناحية التاريخية فربما تكون صحيحة من حيث الشكل والمضمون غير أنها لا يمكن أن يحتج بها في السياسة الشرعية وذلك يسري على معظم وثائق العهد النبوي الأخرى إذ لا مجال لتصحيحها من الناحية الحديثية ولم تعن الكتب الستة بتخريجها مع بعض الاستثناءات، رغم أن الكثير منها يمكن أن يكون صحيحا من الناحية التاريخية «3» ، فلقد أورد محمد بن سعد في طبقاته «4» أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى المقوقس، جريج بن مينا ملك الإسكندرية وعظيم القبط، كتابا مع حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، وأنه قال خيرا وقارب الأمر، غير أنه لم يسلم وأهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم عدة هدايا كان بينها ماريّة القبطية، وأنه لما ورد جواب المقوقس إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ضنّ الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه» «5» .
وأورد الطبري رواية أسندها إلى ابن إسحاق جاء فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث شجاع بن وهب، أخا بني أسد ابن خزيمة، برسالة إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق «6» ، حين عودته والمسلمين من الحديبية، وقد تضمن نص الرسالة التي أسندها الطبري إلى محمد بن عمر الواقدي قوله:«سلام على من اتّبع الهدى، وآمن به، إنّي أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقي لك ملكك» . «7»
وقد أظهر الحارث الغساني رفض الإسلام، والامتعاض من محتويات الرسالة، وحشد قواته لغزو المدينة، غير أن هرقل تدخل في الأمر ودعاه إلى إيلياء «8» .
(1) أوردت بعض المصادر التاريخية وكذلك كتب السيرة كتابين نسبوهما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، غير أنهما لم يثبتا من طريق صحيحة.
(2)
ذكرت بعض المصادر كتابين رد بهما المقوقس على النبي صلى الله عليه وسلم وهما لم يثبتا أيضا من طريق صحيحة.
(3)
أكرم العمري- السيرة النبوية الصحيحة 2/ 459.
(4)
الطبقات الكبرى 1/ 260- 261.
(5)
المصدر السابق 1/ 260- 61 برواية الواقدي، وابن هشام- السيرة 1/ 247، وانظر: ابن حجر- الإصابة 3001، 3/ 335، 4/ 405، ابن كثير- البداية 5/ 340. وقد أورد الزيلعي- نصب الراية 4/ 424 نصوص الرسائل المتبادلة بين الرسول صلى الله عليه وسلم والمقوقس وكذلك ابن طولون- إعلام السائلين ص/ 77- 81. وقد عثر المستشرق الفرنسي (ymelehtraB) في منطقة أخميم في صعيد مصر عام 1850 م على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس مكتوبة على جلد قديم، وقد نشرها في المجلة الآسيوية 1854 م وقد وثق بها كل من المستشرقين بلين، ونولدكه. ونشر الدكتور عون الشريف قاسم الرسالة في كتابه «دبلوماسية محمد» ص/ 80- 86، ومن الجدير بالذكر أن أقدم نص لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس قد أوردها ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص/ 46 ونقلها القسطلاني في المواهب اللدنية 1/ 292- 293.
(6)
وهو من أمراء الغساسنة وكانت إقامته على ما يظهر من النص في دمشق، الطبري- تاريخ 2/ 652.
(7)
الطبري- تاريخ 2/ 652، والسند الأول من طريق ابن إسحاق، والثاني من طريق الواقدي وكلاهما ضعيف.
(8)
ابن سعد- الطبقات 3/ 356، والراجح أن هذه الرسالة قد وصلت الحارث في الوقت نفسه الذي تسلم فيه هرقل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم التي وجهها له مع دحية الكلبي، وبقية القصة أوردها ابن سيد الناس- عيون الاثر 2/ 270- 71، من رواية الواقدي أيضا وفيها نص الرسالة، وأورد ابن هشام- السيرة 4/ 339 خبر إرسال النبي صلى الله عليه وسلم لشجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني بإسناد ضعيف.
وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي الحنفي «1» كتابا أرسله مع سليط بن عمرو العامري، مقدمه من الحديبية، وقد اشترط هوذة الحنفي على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد قراءته رسالته إليه أن يجعل له بعض الأمر معه، فرفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل ذلك» .
وكتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا إلى المنذر بن ساوى العبدي، أمير البحرين، مع أبي العلاء الحضرمي «3» بعد انصرافه من الحديبية، ونقلت المصادر التاريخية أن المنذر قد استجاب لكتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم، وأسلم معه جميع العرب بالبحرين، فأما أهل البلاد من اليهود والنصارى والمجوس فإنهم صالحوا العلاء والمنذر على الجزية من كل حالم دينار «4» ، ونقل أبو عبيد القاسم بن سلام نص كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى برواية عروة بن الزبير، وجاء فيه:«سلام أنت، فإنّي أحمد إليك الله الّذي لا إله إلا هو، أمّا بعد: فإنّ من صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الّذي له ذمّة الله وذمّة الرّسول، فمن أحبّ ذلك من المجوس فإنّه آمن ومن أبى فإنّ الجزية عليه» «5» .
وفي ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص بكتابه إلى جيفر وعبد ابني الجلندى الأزديين بعمان «6» . وقد جاء فيه: «من محمّد النّبيّ رسول الله لعباد الله الأسبذيّين ملوك عمان، وأسد عمان «7» ، ومن كان منهم بالبحرين إنّهم إن آمنوا وأقاموا الصّلاة، وآتوا الزّكاة وأطاعوا الله ورسوله وأعطوا حقّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ونسكوا نسك المؤمنين، فإنّهم آمنون وأنّ لهم ما أسلموا عليه، غير أنّ مال بيت النّار ثنيا لله ورسوله، وأنّ عشور التّمر صدقة، ونصف عشور الحبّ، وأنّ للمسلمين نصرهم ونصحهم، وأنّ لهم على المسلمين مثل ذلك، وأنّ لهم أرحاءهم يطحنون بها ما شاءوا» «8» .
(1) وكان صاحب اليمامة، ومات بعد فتح مكة بقليل، الزيلعي- نصب الراية 4/ 425.
(2)
ذكر ابن سعد الخبر في طبقاته (1/ 262) دون أن يذكر نصوص الرسائل المتبادلة، وانظر ابن سيد الناس- عيون الأثر 2/ 269- 270، الزيلعي- نصب الراية 4/ 425، ابن طولون- إعلام السائلين ص/ 105- 107.
(3)
أوردها ابن سيد الناس- عيون الأثر 2/ 266- 267، أبو عبيد القاسم- الأموال ص/ 30 من رواية عروة بن الزبير مرسلا، وأرخه قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي في السنة الثامنة للهجرة، ابن طولون- إعلام السائلين ص/ 56- 57 كما أورد ابن سعد في الطبقات 1/ 263، طرفا منها، وانظر الزيلعي نصب الراية 14/ 420، القلقشندي- صبح الأعشى 6/ 368، ابن الأثير- الكامل في التاريخ 2/ 265.
(4)
ابن الأثير- الكامل 2/ 146- 147، ولم يورد نص رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إليه ولا جوابه وكذلك فعل ابن سيد الناس- عيون 2/ 266- 267، وهناك روايات أخرى تشير إلى رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم الأولى إلى المنذر، ولكنها مؤرخة في رجب سنة 9 هـ منصرفه من تبوك انظر ابن طولون- إعلام السائلين ص/ 58 من رواية الواقدي، وذكر ذلك الزيلعي- تخريج أحاديث الهداية 4/ 419- 420.
(5)
أبو عبيد- الأموال ص/ 28.
(6)
ابن طولون- إعلام السائلين ص/ 58، الزيلعي- تخريج أحاديث الهداية 4/ 419- 420، القلقشندي- صح 6/ 376.
(7)
أشد عمان: قبيلة، يقال لها أزد وأسد (بالزاي والسين) .
(8)
أبو عبيد- الأموال ص/ 28- 29، وانظر النص في البلاذري- فتوح ص/ 1/ 96 من حديث ابن عباس- رضي الله عنهما، ونص فيه: «ولم تمجّسوا أولادكم، فلكم ما أسلمتم عليه، غير أن بيت النار
لله ورسوله، فإن أبيتم فعليكم الجزية» والمقصود هو أنّ خزائن بيوت النار التي ألغاها الإسلام تصبح فيئا.