الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَالَ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ يُوسُفٍ الصَّرْصَرِيُّ (1) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَأَتَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ فَأَشْرَقَتْ
…
شمْسُ النُّبُوَّةِ مِنْهُ فِي رَمَضَانِ
وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ:
قَوْله تَعَالَى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (2).
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟ فَقَالَ: "فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهُ أُنْزِلَ عَلَيَّ"(3).
*
حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها:
وَلْنَسْتَمِعْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَرْوِي لَنَا قِصَّةَ بَدْءِ الْوَحْي، قَالَتْ رضي الله عنها: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ
(1) هو الشَّيخ جمالُ الدِّين أبو زكرِيَّا يحيى بن يُوسف الصَّرْصَرِيُّ نسبة إلى صَرْصَرَ قرية على فرسَخَيْنِ من بَغدادَ، العلَّامةُ الحافظ اللُّغَوي، كان إليه المُنْتَهَى في معرفةِ اللُّغة، وحُسْنِ الشِّعْرِ، وديوانُه ومدائحُهُ سائرةٌ، يُشَبَّهُ في عصرهِ بحسَّان بن ثابت رضي الله عنه، وكان صالحًا قُدوَةً كثيرَ التلاوةِ، عظيمَ الاجتهادِ صَبُورًا قَنُوعًا، قَتَلَهُ التَّتَارُ يومَ دخَلُوا بغدادَ سنة (656 هـ).
انظر شذرات الذهب (5/ 286).
(2)
سورة البقرة آية (185).
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. . . - رقم الحديث (1162)(198).
الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ (1) فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، . . . حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ (2) وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:"مَا أَنَا بِقَارِئٍ" قَالَ: "فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي (3) حَتَّى بَلَغَ مِنِّيَ الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي"(4)، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ:"مَا أَنَا بِقَارِئٍ (5) فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّيَ الْجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي"، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ:"مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي (6) الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي"، فَقَالَ:
(1) قال الحافظ في الفتح (9/ 735): أي في أوَّل المُبْتَدآت مِنْ إيجاد الوحي الرُّؤيا، وأما مُطْلَقُ ما يدلُّ على نبُوَّته، فتقدَّمَتْ له أشياء مثل: تسليمِ الحَجَر كما ثبت في صحيح مسلم.
(2)
قال الحافظ في الفتح (1/ 35): أي الأمرُ الحقُّ، وسُمِّيَ حَقًّا لأنه وحيٌ مِنَ اللَّه تَعَالَى.
(3)
في رواية ابن إسحاق في السيرة (1/ 273): فَغَتَّنِي.
قال ابن الأثير في النهاية (3/ 308): الغَتُّ والغَطُّ سواءٌ، كأنَّه أراد عصَرَنِي عَصْرًا شَدِيدًا حتى وجَدْتُ منه المَشَقَّةَ.
(4)
قال الإمام النووي في شرح مسلم (2/ 172): أرسَلَنِي: أي أطْلَقَنِي.
(5)
قال الحافظ في الفتح (1/ 35): أي ما أُحْسِنُ القِرَاءَةَ، فلمَّا قال ذلك ثلاثًا قِيلَ له:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} أي لا تقرؤُهُ بقوَّتِكَ ولا بمَعْرِفَتِكَ، لكن بحَوْلِ ربِّكَ وإعانَتِهِ، فهو يُعَلِّمُكَ، كما خلقكَ، وكما نَزَعَ عنكَ عَلَقَ الدَّمِ، وغَمْزَ الشَّيْطَانِ في الصِّغَرِ، وعلّم أُمَّتَكَ حتى صارَتْ تَكْتُبُ بالقلَمِ بعدَ أَنْ كَانَتْ أُمِّيَّةً. . .، والتقدير: لسْتُ بقَارِئٍ البَتَّةَ.
(6)
قال الحافظ في الفتح (9/ 738): والحكمةُ في هذا الغَطِّ لإظهارِ الشِّدَّةِ، والجِدِّ في الأمر تَنْبِيهًا على ثِقَلِ القولِ الذي سَيُلقى إليه، فلما ظهر أنه صَبَرَ على ذلك أُلْقِيَ إليه. ولعل الحِكْمَةَ في تكريرِ الإقراءِ الإشارةُ إلى انْحِصَارِ الإيمان الذي يَنْشَأُ الوحيُ بسببِهِ في ثلاثٍ: القولُ، والعملُ، والنيَّةُ، وَأَنَّ الوحي يشتملُ على ثلاثٍ: التوحيدُ، والأحكامُ والقصصُ، وفي تكريرِ الغَطِّ الإشارة إلى الشَّدائدِ الثلاثِ التي وقعتْ لهُ صلى الله عليه وسلم وهي: الحَصْرُ في الشِّعْبِ، وخروجُه في الهجرةِ، وما وقع له يوم أُحدٍ، وفي الإرسالاتِ الثلاثِ إشارة إلى حصولِ التيسيرِ له عقب الثلاث المذكورةِ: في الدنيا، والبَرْزَخِ، والآخرةِ.
فَرَجَعَ بِهَا (2) رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ (3)، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَهَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها، فَقَالَ:"زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي"(4)، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ (5)، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ، وَأَخَبَرَهَا الْخَبَرَ:"لَقَدْ خَشِيتُ (6) عَلَى نَفْسِي"، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا (7) وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا (8)، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ
(1) قال الإمام النووي في شرح مسلم (2/ 172): هذا دليلٌ صريحٌ في أَنَّ أوَّلَ ما نزلَ من القرآن اقرأ، وهذا هو الصواب الذي عليهِ الجماهيرُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ.
(2)
قال الحافظ في الفتح (1/ 36): أي بالآياتِ أو بالقِصَّةِ.
(3)
قال الحافظ في الفتح (14/ 381): الحكمةُ في العُدُولِ عن القَلْبِ إلى الفُؤَادِ أن الفُؤَادَ وِعَاءُ القَلْبِ على ما قاله أهل اللغة، فإذا حصل للوعاءِ الرَّجَفَانُ حصلَ لِمَا فيهِ، فيكونُ في ذكْرِهِ من تعظيمِ الأمرِ ما ليس في ذِكْرِ القَلْبِ.
(4)
قال الإمام النووي في شرح مسلم (1/ 173): معنى زَمِّلُونِي أي: غَطُّونِي بالثياب، ولُفُّونِي بها.
وقال الحافظ في الفتح (9/ 739): قال صلى الله عليه وسلم ذلك لشدَّةِ ما لَحِقَهُ من هَوْلِ الأمر، وجرَتِ العادة بسُكُونِ الرِّعْدَةِ بالتَّلْفِيفِ.
(5)
قال الحافظ في الفتح (1/ 36): الرَّوْعُ: أي الفَزَعُ.
(6)
قال الحافظ في الفتح (1/ 36): والخشيةُ المذكورةُ اختلفَ العلماءُ في المُرَادِ بها على اثْنَيْ عَشَرَ قولًا. . . وأولى هذه الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب هوَ المَوْتُ من شِدَّةِ الرُّعْبِ أو المَرَضِ.
(7)
قال الحافظ في الفتح (1/ 36): معناهَا النَّفْي والإبعَادُ.
(8)
قال ابن القيم في زاد المعاد (3/ 17): انظر كيفَ استَدَلَّتْ رضي الله عنها بما فيه صلى الله عليه وسلم مِنَ الصِّفَاتِ الفاضلةِ، والأخلاقِ والشِّيَمِ، على أَنَّ مَنْ كان كذلك لا يُخْزَى أبدًا، فَعَلِمَتْ رضي الله عنها بكمَالِ عَقْلهَا وفِطْرَتِهَا، أن الأعمال الصالحةَ، والأخلاقَ الفاضلةَ =
الْكَلَّ (1)، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ (2)، وَتُقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ (3)، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسِد بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى -ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةَ-، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ (4) مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُوسَى (5)، يَا لَيْتَنِي فِيهَا. . . .
= والشِّيَمَ الشَّرِيفَةَ، تناسب أشكالها مِنْ كرامَةِ اللَّهِ، وتأييدهِ، وإحسانِهِ، ولا تناسِبُ الخِزْيُ والخُذْلَانُ، وإنما يُنَاسبه أضدَادُهَا، فمن رَكَّبهُ اللَّه على أحسنِ الصفات وأحسنِ الأخلاق والأعمالِ إنما يَلِيقُ به كرامته وإتمامُ نعمتهِ عليهِ.
(1)
قال الإمام النووي في شرح مسلم (2/ 174): الكَلُّ: بفتح الكاف وأصله الثِّقَلُ، ومنه قول اللَّه تَعَالَى في سورة النحل آية (76):{وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} ، ويدخُلُ في حَمْلِ الكَلِّ الإنفاقُ على الضَّعِيفِ، واليَتِيمِ، والعِيَالِ وغير ذلك.
(2)
قال الإمام النووي في شرح مسلم (2/ 175): أي تُعْطِي الناسَ ما لا يَجِدُونَهُ عندَ غيركَ مِنْ نفائسِ الفَوَائدِ، ومكارمِ الأخلاق، أو تُكْسِب المالَ العظيمَ الذي يَعْجُزُ عنه غيرُك، ثم تَجُودَ به في وجُوهِ الخيرِ وأبواب المكارم.
(3)
قال الإمام النووي في شرح مسلم (2/ 176): النَّوَائِبُ جمعُ ناِئبَةٍ وهي الحَادِثَةُ، وإنما قَالَتْ: نوائِب الحقّ، لأن النائبةَ قد تكون في الخير، وقد تكونُ في الشّرِّ.
(4)
في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (6982): ". . . وكان يكتبُ الكتابَ العربيَّ، فيكتبُ بالعربيةِ مِنَ الإنْجِيلِ".
(5)
قال الحافظ في الفتح (1/ 38): قال على موسى ولم يقل على عيسى مع كونه نصرانيًا: لأنَّ كتابَ مُوسى عليه السلام مُشْتَمِلٌ على أكثر الأحكامِ، بخلافِ عيسى؛ ولأنَّ موسى عليهِ =
جَذَعًا (1)، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَوَمُخْرِجِيَّ (2) هُمْ؟ " قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا (3)، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ (4) وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ (5).
= السَّلامُ بُعِثَ بالنِّقْمَةِ على فِرْعَوْنَ ومَنْ معه، بخلافِ عيسى، أو قاله تَحْقيقًا للرِّسالةِ، لأن نُزُول جِبريلَ على موسى متَّفقٌ عليه بين أهلِ الكتابِ، بخلافِ عيسى فإنَّ كثيرًا من اليهودِ يُنكرونَ نُبُوَّتَهُ.
(1)
قال الحافظ في الفتح (1/ 39): الجَذَعُ: هو الصَّغيرُ منَ البَهائمِ، كأنه تمنَّى أن يكون عِنْدَ ظُهور الدُّعاء إلى الإسلام شَابًّا ليكونَ أمكَنَ لنَصْرِهِ، وبهذا يتبيَّنُ سِرُّ وصْفِهِ بكونهِ كان كَبِيرًا أعمى.
(2)
قال الحافظ في الفتح (1/ 39)(14/ 382): استبعدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُخْرِجُوهُ، لأنه لم يكنْ فيه سببٌ يقتضِي الإخراجَ، لما اشتملَ عليه مِنْ مَكارمِ الأخلاقِ التي تقدَّم من خديجةَ وصْفُهَا. ويحتملُ أن يكون انزعاجُهُ كان مِنْ جِهةِ خَشْيَةِ فَواتِ ما أمَّلهُ من إيمانِ قومهِ باللَّه، وإنقاذِهِمْ من ضُرِّ الشِّرْكِ، وأدْنَاسِ الجاهليةِ، ومنْ عذابِ الآخرةِ، وليتمَّ لهُ المرادُ من إرساله إليهم، ويحتملُ أن يكونَ انْزَعَجَ منَ الأمْرَيْنِ مَعًا.
(3)
قال الحافظ في الفتح (1/ 39): أي قَوِيًّا، مأخوذٌ من الأزْرِ وهوَ القُوَّة، ويحتمل أن يكون من الإزَارِ، أشار بذلك إلى تَشْمِيرِهِ في نُصْرَتِهِ.
(4)
قال الحافظ في الفتح (1/ 40): أي لم يَلبثْ، وأصلُ النُّشُوبِ التَعَلُّقُ، أي لم يتعلَّقُ بشيءٍ من الأمورِ حتى مَاتَ.
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي - رقم الحديث (3) - وأخرجه في كتاب التعبير - باب أول ما بُدئ به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصَّالحة - رقم الحديث (6982) - وأخرجه مسلم - كتاب الإيمان - باب بدء الوحي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رقم الحديث (160).