الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: والذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الحَدِيثِ (1) الذِي فِيهِ المُبَالَغَةُ في رَمْيِ الشُّهُبِ لِحِرَاسَةِ السَّمَاءِ مِنِ اسْتِرَاقِ الْجِنِّ السَّمْعَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ المَبْعَثِ النَّبَوِيِّ، وإنْزَالِ الوَحْي إلى الأَرْضِ، فَكَشَفُوا ذَلِكَ إِلَى أَنْ وَقَفُوا عَلَى السَّبَبِ، ثُمَّ لمَّا انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ، وأسْلَمَ مَنْ أسْلَمَ، قَدِمُوا فَسَمِعُوا، فأسْلَمُوا، ثُمَّ تَعَدَّدَ مَجِيئُهُمْ حَتَّى فِي المَدِينَةِ (2).
وَقَالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الفَتْحِ: والذِي تَضَافَرَتْ بِهِ الأَخْبَارُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ في أوَّلِ البِعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ
…
فَتَكُونُ قِصَّةُ الجِنِّ مُتَقَدِّمَةً مِنْ أوَّلِ المَبْعَثِ، وهَذَا المَوْضِعُ مِمَّا لَمْ يُنَبَّهْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِمَّنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلامِهِمْ في شَرْحِ هَذَا الحَدِيثِ (3).
*
حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
وَأَمَّا مَا أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ، وأبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الجِنِّ: "مَا فِي إِدَاوَتِكَ (4)؟ ، أَوْ رَكْوَتِكَ؟ "(5).
(1) هو حديثُ ابن عباس رضي الله عنهما الذِي ذكَرْنَاهُ قَبْلَ قَلِيلٍ مِنْ أمْرِ التِبَاسِ الأمْرِ على الجِنِّ، وبسَبَبِ إرسَالِ الشُّهُبِ عليهم.
(2)
انظر فتح الباري (7/ 563).
(3)
انظر فتح الباري (9/ 674).
(4)
الإدَاوَةُ: بكَسْرِ الهمزةِ إنَاءٌ صَغِيرٌ من جِلْدٍ يُتَّخَذُ للمَاءِ. انظر النهاية (1/ 36).
(5)
الرَّكْوَةُ: بفتحِ الرَّاء إناءٌ صغيرٌ مِنْ جِلدٍ يُشْرَبُ فيهِ الماءُ. انظر النهاية (2/ 237).
قلتُ: نَبِيذٌ، قَالَ رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم:"تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، ومَاءٌ طَهُورٌ"، فتَوَضَّأَ مِنْهُ (1).
فهَذَا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ، فإنَّ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ لَيْلَةَ لِقَائِهِ بِالجِنِّ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
قال الحافِظُ في الفَتْحِ: هذَا الحَدِيثُ أطْبَقَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ عَلَى تَضْعِيفِهِ (2).
قُلْتُ: وقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لَيْلَةَ الجِنِّ مَعَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم أَوَّلَ مَرَّةٍ-، ولَفْظُهُ: قَالَ عَلْقَمَةُ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: هَلْ صَحِبَ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الجِنِّ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟
فقَالَ: مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ، ولَكِنَّا قَدْ فَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنَا: أُغْتِيلَ؟ اسْتُطِيرَ (3)؟ مَا فَعَلَ؟
قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فلَمَّا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ -أَوْ قَالَ فِي السَّحَرِ- إِذَا نَحْنُ بهِ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ، فقُلْنَا: يا رسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرُوا الذِي كَانُوا فِيهِ.
(1) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الطهارة - باب الوضوء بالنبيذ - رقم الحديث (88) - وأبو داود في سننه - كتاب الطهارة - باب الوضوء بالنبيذ - رقم الحديث (84) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (3782)(3810) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (5047).
(2)
انظر فتح الباري (1/ 471).
(3)
قال النووي في شرح مسلم (4/ 141): معنى استُطِير: أي طارت به الجنّ.