الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القَوْمِ"، مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ: أَبُو جَهْلٍ، وهُوَ أَشَدُّ مِنْهُ كُفْرًا، وأَذًى لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لكِنَّ الشَّقَاءَ هُنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ لِأَنَّهُمُ اشْتَرَكُوا في الأَمْرِ والرِّضَا، وانْفَرَدَ عُقْبَةُ بِالمُبَاشَرَةِ فكَانَ أشْقَاهُمْ، وَلِهَذَا قُتِلُوا في الحَرْبِ، وقُتِلَ عُقْبَةُ صَبْرًا (1).
أيْ أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ قُتِلُوا في غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى بِاسْتِثْنَاءَ عُقْبَةَ فَإِنَّهُ كَانَ أسِيرًا فَأَمَرَ الرُّسُولُ صلى الله عليه وسلم بقَتْلِهِ بِالسَّيْفِ.
*
قِصَّةٌ أُخْرَى في إيذَاءِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم
-:
ومِمَّا لَقِيَهُ صلى الله عليه وسلم مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ (2) مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَعَنَهُ اللَّهُ: واللَّاتِ وَالعُزَّى! لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَن عَلَى رَقَبَتِهِ، أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ في التُّرَابِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: فَأتى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهُوَ يُصَلِّي، زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وهُوَ يَنْكُصُ (3) عَلَى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بَيَدَيْهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَالَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا، وأجْنِحَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطفَتْهُ
(1) كل من قُتِل في غير معركة، ولا حرب، ولا خطأ، فإنه مقتول صبرًا. انظر النهاية (3/ 8).
وانظر كلام الحافظ في فتح الباري (1/ 468).
(2)
يُريدُ به سُجوده علي التراب، من التَّعفِيرِ، وهو التَّمْرِيغِ في التراب. انظر النهاية (3/ 237).
(3)
النُّكوصُ: الرجُوعُ إلى وراءٍ، وهو القَهْقَرَى. انظر النهاية (5/ 101).
المَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا" (1)، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)} (2).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، وهُوَ جَالِسٌ حَزِينًا قَدْ خُضِبَ (3) بالدِّمَاءَ، ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: مَالَكَ؟
قَالَ: فَقَالَ لَهُ: "فَعَلَ بِي هَؤُلَاءِ وفَعَلُوا" قَالَ: فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام: أَتُحِبُّ أَنْ أرِيَكَ آيَةً (4)؟
(1) قال الحافظ في الفتح (9/ 746) أنما شُدَّد الأمر في حقِّ أبي جهل، ولم يقعْ مثل ذلك لِعُقبَةَ بن أبي مُعيط حيث طرَحَ سَلَى الجزورِ علي ظهره صلى الله عليه وسلم وهو يصلي -كما مر معنا- لأنهما وإن اشترَكا في مطلقِ الأذيَّة حالةَ صلاتهِ صلى الله عليه وسلم لكن زادَ أبو جهل بالتهديدِ، وبدعْوَى أهلِ طاعته، وبإرادَةِ وطءِ العُنُقِ الشَّريف، وفي ذلك من المُبَالغةِ ما اقتَضَى تعجِيلَ العُقوبة لو فعل ذلك، ولأن سَلَى الجزور لم يتحقَّق نجاسَتُها، وقد عوقب عُقبةُ بدعائه صلى الله عليه وسلم عليه، وعلى من شاركه في فعله، فقُتِلُوا يوم بدر.
(2)
سورة العلق من آية (6 - 19) - والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: {كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} - رقم الحديث (4958) - ومسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - باب قوله تَعَالَى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى} - رقم الحديث (2797).
(3)
خُضِب: أي ابْتُلَّ. انظر لسان العرب (4/ 117).
(4)
قال الإمام السندي في شرح المسند (7/ 141): قولُ جبريل عليه السلام: أتُحِبُّ أن =
قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: فنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ الوَادِي، فَقَالَ: ادْعُ بِتِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَدَعَاهَا فَجَاءَتْ تَمْشِي، حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ، فَأَمَرَهَا فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"حَسْبِي"(1).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَد وابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لقَدْ أُوذِيتُ في اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَأُخِفْتُ (2) في اللَّهِ (3)، ومَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلقَدْ أتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَالِي وَبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا مَا يُوَارِي إبْطَ بِلَالٍ"(4).
قَالَ الْمُبَارَكْفُورِي: وَالْمَعْنَى: أَنَّ بِلَالًا كَانَ رَفِيقِي في ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمَا كَانَ لَنَا مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا شَيْءٌ قَلِيل، بِقَدْرِ مَا يَأْخُذُهُ بِلَالٌ تَحْتَ إِبْطِهِ (5).
وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ في المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لقَدْ أُخِفْتُ في اللَّهِ، ومَا يُخَافُ أَحَدٌ، ولقدْ أُوذِيتُ في اللَّهِ ومَا يُؤْذَى أَحَدٌ، ولقدْ
= أرِيَكَ آية، تدل علي مالك عند اللَّه تَعَالَى من الكرامةِ، والشَّرَف الَّذي تنسى في جنبه ما يلحقُ بك من التَّعِبِ في تبيلغِ الرسالةِ.
(1)
أخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (12112) - وابن ماجة في سننه - كتاب الفتن - باب الصبر علي البلاء - رقم الحديث (4028) - والبيهقي في الدلائل (2/ 154).
(2)
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (7/ 214): أي هُدِّدْتُ وتُوُعِّدْتُ بالتَّعْذِيبِ والقتلِ.
(3)
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (7/ 214): أي في إظهَارِ دِينه.
(4)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (12212) - وابن ماجة في سننه في المقدمة - فضل سلمان وأبي ذر والمقداد رضي الله عنهم رقم الحديث (151).
(5)
تحفة الأحوذي (7/ 215).