الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} (1)، وقَوْله تَعَالَى:{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} (2).
*
تَعْذِيبُ خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ رضي الله عنه
-:
أَمَّا أشَدُّ مَنْ عُذِّبَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَهُوَ خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ رضي الله عنه، وَكَانَ رضي الله عنه مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، قال عَنْ نَفْسِهِ رضي الله عنه: لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمًا أخَذُونِي فَأَوْقَدُوا لِي نَارًا ثُمَّ سَلَقُونِي (3) فِيهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَجُلٌ رِجْلَهُ عَلَى صَدْرِي، فمَا اتَّقَيْتُ الأرْضَ إِلَّا بِظَهْرِي، قَالَ: ثُمَّ كُشِفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ بَرَصَ (4).
وفي رِوَايَةٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُوقِدُونَ لَهُ نَارًا فَمَا يُطْفِئُهَا إِلَّا وَدَكُ (5) ظَهْرِهِ (6).
وَرَوَى الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَارِثَةَ بنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ، وقَدِ اكْتَوَى في بَطْنِهِ، فَقَالَ: ما أَعْلَمُ أحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ مِنَ البَلاءِ مَا لَقِيتُ (7).
(1) سورة العنكبوت آية (8).
(2)
سورة لقمان آية (15). والخبر أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم باب فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رقم الحديث (2748).
(3)
سَلَقَهُ: أحْرَقَهُ. انظر لسان العرب (6/ 335).
(4)
أخرجه ابن ماجه في سننه - المقدمة - باب فضائل خباب - رقم الحديث (153) - وإسناده صحيح - وابن سعد في طبقاته (3/ 88).
(5)
الوَدَكُ: هو دَسَمُ اللَّحْمِ، ودُهْنُهُ الذِي يَخْرُجُ منه. انظر النهاية (5/ 148).
(6)
انظر حلية الأولياء لأبي نعيم (1/ 195).
(7)
أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في النهي عن التمني للموت - رقم الحديث (970) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (1030) =
ولَمَّا مَرَّ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه عَلَى قَبْرِهِ، وهُوَ مُنْصَرِفٌ مِنْ صِفِّينَ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ خَبَّابًا أسْلَمَ رَاغِبًا، وهَاجَرَ طَائِعًا، وعَاشَ مُجَاهِدًا، وابْتُلِيَ في جِسْمِهِ أحْوَالًا، ولَنْ يُضِيعَ اللَّهُ أَجْرَهُ (1).
وقَائِمَةُ المُعَذَّبِينَ في اللَّهِ طَوِيلَةٌ ومُؤْلمَةٌ جِدًّا، فَمَا مِنْ أحَدٍ عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ إِلَّا تَصَدَّوْا لَهُ وآذَوْهُ.
قَالَ الشَّيْخُ عَلِيّ الطَّنْطَاوِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: احْتَمَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّ شَيْءٍ الضَّرْبَ، والجَرْحَ، والحَرْقَ، والجُوعَ، والسَّهَرَ، واسْتَحْلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ المَرَائِرَ، واسْتَحَبُّوا بَعْضَ المَكَارِهِ إلى النُّفُوسِ إِنْ كَانَ فِيهَا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى (2).
فَلَمْ تَلْقَ قُرَيْشٌ نَجَاحًا في صَرْفِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم عَنْ دِينِهِمْ.
قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد سَعِيد رَمَضَان البُوطِي: أوَّلُ ما قَدْ يَخْطُرُ في بَالِ المُتَأَمِّلِ، حِينَمَا يَرَى قِصَّةَ ما لَقِيَهُ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصْحَابُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، مِنْ صُنُوفِ الإيذَاءِ والعَذَابِ، هُوَ أَنْ يَتَسَاءَلَ: فِيمَ هَذَا العَذَابُ الذِي لَقِيَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وأصْحَابُهُ وهُمْ عَلَى حَقٍّ؟ ولِمَاذَا لَمْ يَعْصِمْهُمُ اللَّهُ عز وجل مِنْهُ، وهُمْ جُنُودُهُ
= وأصل الحديث في صحيح البخاري - كتاب المرضى - باب تمني المريض الموت - رقم الحديث (5672) - ومسلم في صحيحه - كتاب الذكر والدعاء - باب تمني كراهة الموت - رقم الحديث (2681).
(1)
انظر تحفة الأحوذي (4/ 13).
(2)
انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص 14.
وفيهِمْ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُونَ إلى دِينِهِ، ويُجَاهِدُونَ في سَبِيلِهِ؟ .
والجَوَابُ: مِنْ أجْلِ إظْهَارِ صِدْقِ الصَّادِقِينَ، وَكَذِبِ الكَاذِبِينَ، فَلَوْ تُرِكَ النَّاسُ لِدَعْوَى الإِسْلامِ، وَمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ فَقَطْ، لاسْتَوَى الصَّادِقُ والكَاذِبُ، ولَكِنَّ الفِتْنَةَ والِابْتِلَاءَ، هُمَا المِيزَانُ الذِي يُمَيِّزُ الصَّادِقَ مِنَ الكَاذِبِ (1).
* * *
(1) انظر فقه السيرة للبوطي (77 - 78).