الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَحْصُلُ مَضْمُونُ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وأَنَّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وإنِ اخْتَلفَتْ عِبَارَاتُ الرُّوَاةِ فِي أدَائِهِ، أَوْ زَادَ بَعْضُهُمْ فِيهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ، فَإِنَّ الخَطَأَ جَائِزٌ عَلَى مَنْ عَدَا الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، ومَنْ جَعَلَ مِنَ النَّاسِ كُلَّ رِوَايَةٍ خَالَفَتِ الأُخْرَى مَرَّةً عَلَى حِدَةٍ، فَأَثْبَتَ إِسْرَاءَاتٍ مُتَعَدِّدَةً فَقَدْ أبْعَدَ وأغْرَبَ، وهَرَبَ إلى غَيْرِ مَهْرَبٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ عَلَى مَطْلِبٍ.
وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أُسْرِيَ بِهِ مَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ فَقَطْ، ومَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى السَّمَاءَ فَقَطْ، ومَرَّةً إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وَمِنْهُ إلى السَّمَاءَ، وفَرِحَ بِهَذَا المَسْلَكِ، وأنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِشَيْءٍ يَخْلُصُ بِهِ مِنَ الإِشْكَالَاتِ، وهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَلَوْ تَعَدَّدَ هَذَا التَّعَدُّدَ لَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِهِ أُمَّتَهُ، ولَنَقَلَتْهُ النَّاسُ عَلَى التَّعَدُّدِ والتَّكْرَارِ (1).
قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: والصَّوَابُ الذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النَّقْلِ أَنَّ الإِسْرَاءَ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً بِمَكَّةَ بَعْدَ البِعْثَةِ (2).
*
قِصَّةُ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ:
أَمَّا قِصَّةُ الإِسْرَاءِ والمِعْرَاجِ فَقَدْ رَوَاهَا الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، كَمَا رَوَاهَا غَيْرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَعُلَمَاءَ السِّيَرِ، وَسَأُفَصِّلُ هَذِهِ الحَادِثَةَ، وأجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ.
(1) انظر تفسير ابن كثير (7/ 42).
(2)
انظر زاد المعاد (3/ 38).
عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: أَنَّ مَالِكَ بنَ صَعْصَعَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:"بَيْنَمَا أنَا فِي الحَطِيمِ -وَرُبَّمَا قَالَ فِي الحِجْرِ (1) - مُضْطَجِعًا (2)، إِذْ أَتَانِي آتٍ (3) فَقَدَّ"(4) -قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إلى هَذِهِ". فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وهُوَ إلى جَنْبِي: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: "مِنْ ثُغرَةِ (5)
(1) قال الحافظ في الفتح (7/ 603): هو شَكٌّ من قتادة كما بيَّنه الإِمام أحمد في مسنده رقم الحديث (17835) عن عفَّان عن هَمَّام، ولفظه:"بينَا أنا نائمٌ في الحَطِيمِ"، وربما قال قتادة في الحِجر، والمراد بالحَطِيمِ هنا الحِجرُ، وأبعدَ مَنْ قَالَ المراد به -أي الحَطِيم- ما بينَ الركن والمقامِ أو بينَ زمزم والحِجر، وهو وإن كان مختلفًا في الحَطِيم هل هو الحِجر أم لا؟ ، لكن المراد هنا بيان البقعة التي وقع ذلك فيها، وقد وقع في أول بدء الخلق في صحيح البخاري - رقم الحديث (3207): بلفظ "بَيْنَا أنا عندَ البيت" وهو أعمُّ، ووقع في رواية الزهري في صحيح البخاري - رقم الحديث (349): عن أنس عن أبي ذر "فُرِجَ عن سقفِ بَيْتِي وأنا بمَكَّةَ"، وفي رواية الواقدي بأسانيده: أنه أسري به من شعب أبي طالب، وفي حديث أم هانئ عند الطبراني أنه بات في بيتها قالت: ففقدته من الليلِ فقال: "إِنَّ جبريلَ أتاني". والجَمْعُ بين هذه الأقوال أنه نَامَ في بيتِ أمِّ هَانِئٍ، وبيتها عند شِعْبِ أبي طالب، ففُرِجَ سقفُ بيتِهِ، وأضافَ البيتَ إليهِ لكَونِهِ كان يسكُنُهُ، فنزل منه المَلَك فأخرجَهُ من البيتِ إلى المسجد فكان به مُضْطَجِعًا، وبه أثرُ نُعَاسٍ، ثم أخرجه الملك إلى المسجد فأركبَهُ البُراق.
(2)
قال الحافظ في الفتح (7/ 604): زاد في بدء الخلق -أي البخاري في صحيحه- رقم الحديث (3207) - قال: "بينَ النائمِ واليَقْظَانِ"، وهو مَحْمولٌ على ابتداءِ الحال، ثم لما أخرجَ به إلى بابِ المسجدِ فأركبَهُ البُرَاق استَمَرَّ في يَقَظَتِهِ.
(3)
قال الحافظ في الفتح (7/ 604): هو جِبريل عليه السلام.
(4)
القَدُّ: هو القَطْعُ طُولًا كالشَّقِّ. انظر النهاية (4/ 20)
(5)
الثُّغْرَةُ: هي نُقْرَةُ النَّحْرِ فوقَ الصَّدْرِ. انظر النهاية (1/ 208).
نَحْرِهِ (1) إلى شِعْرَتِهِ (2)، فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ (3) مِنْ ذَهَبٍ (4) مَمْلُوءَةٍ (5) إِيمَانًا (6)، فَغَسَلَ قَلْبِي (7) ، ثُمَّ حُشِيَ (8) ، ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ
(1) النَّحْرُ: هو أعْلَى الصَّدر. انظر النهاية (5/ 23).
(2)
قال الحافظ في الفتح (7/ 604): قوله: شِعْرَتِهِ بكسر الشين، أي شعر العَانة.
وفي رواية الإِمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (164) قال: إلى أسفَلِ بَطْنِهِ.
(3)
قال الإِمام النووي في شرح مسلم (2/ 186): هي إناءٌ معروفٌ وهي مُؤَنَّثَة.
وقال الحافظ في الفتح (7/ 605): خص الطَّستُ لكونِهِ أشهَر آلاتِ الغُسْلِ عُرفًا.
(4)
قال الحافظ في الفتح (7/ 605): خُصَّ الذهبُ لكونهِ أغْلَي أنواعِ الأواني الحِسِّيَّةِ وأصفَاهَا؛ ولأن فيه خَوَاصٌ ليستْ لغيرهِ ويظهَرُ لها هنا مُنَاسباتٌ: منها أنه مِنْ أوَانِي الجنةِ، ومنها أنه لا تأكُلُهُ النارُ، ولا التُّرابُ، ولا يلحَقُهُ الصَّدَأ، ومنها أنه أثقَلُ الجَوَاهر فنالسَبَ ثِقَلَ الوَحْي.
(5)
قال الحافظ في الفتح (2/ 6): والمعنَى أن الطَّسْتَ جُعِلَ فيها شَيءٌ يحصُلُ به كمَالُ الإيمانِ والحِكْمَةِ فسُمِّيَ حكمةً وإيمانًا مَجَازًا، أو مُثِّلا له بناء على جوازِ تَمثِيل المعاني، كما يُمَثَّلُ الموتُ كَبْشًا في الآخرة.
حديث: "يُؤْتَى بالموتِ يومَ القِيامَةِ كأنه كبْشٌ أمْلَحُ".
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب هوَ {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} - رقم الحديث (4370) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجنة وصفتها - باب النار يدخلها الجبارون - رقم الحديث (2849).
(6)
قال الحافظ في الفتح (7/ 605): هذا المِلْءُ يحتمل أن يكون على حَقِيقته، وتَجْسِيد المعاني جائِزٌ كما جاء أن سورة البقرة وآل عمران تأتِيَانِ يوم القيامة كأنهما غَمَامَتَان.
(7)
في رواية الإِمام مسلم في الصحيح - رقم الحديث (163): "ثم غسله -أي قلبه- من ماء زمزم".
(8)
في رواية شريك في صحيح البخاري - رقم الحديث (7517)، قال: فحَشَا به صدرُه ولَغَادِيدُهُ صلى الله عليه وسلم. وهو بفتح اللام والغين أي عروق حلقه. =
دُونَ البَغْلِ وفَوْقَ الحِمَارِ أَبْيَضَ"، فَقَالَ لَهُ الجَارُودُ: هُوَ البُرَاقُ (1) يَا أبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أنَسٌ: نَعَمْ، "يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أقصى طَرْفِهِ" (2)، وكَاَنَ مُسْرَجًا مُلَجَّمًا (3). فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرْكَبَهُ، اسْتَصْعَبَ عَلَيْهَ، فَقَال لَهُ جِبْرِيلُ عليه السلام: أبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ (4) أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، قَالَ: "فَارْفَضَّ (5) عَرَقًا" (6).
= قال الحافظ (7/ 606): وقد اشتَمَلت هذه القصة من خَوَارق العادَةِ على ما يُدْهِشُ سامعه فضلًا عمَّن شاهده، فقد جَرَت العادة بأن من شُقَّ بطنه، وأُخرجَ قلبه يمُوتَ لا مَحَالة، ومع ذلك فلم يُؤَثِّر فيه ذلك ضَرَرًا ولا وَجَعًا فضلًا عن غير ذلك.
(1)
قال الحافظ في الفتح (7/ 607): سُمي البُرَاقَ لأنه مشتَقٌّ من البَرِيقِ، فقد جاء في لونه أنه أبيضُ، أو من البَرْقِ لأنه وصفه بسُرعَةِ السَّير، أو من قَولهم شاة بَرْقاء إذا كان خلال صُوفها الأبيض طَاقَاتٌ سُود، ولا يُنافِيه وصفُهُ في الحديث بأن البُرَاق أبيض لأن البَرْقَاءَ مِنَ الغنم معدُودَةٌ في البَيَاض.
(2)
قال الحافظ في الفتح (7/ 606): أي يضَعُ رجلهُ عندَ مُنْتَهَى ما يَرى بَصَرُهُ.
إلى هذا القدر أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب المعراج - رقم الحديث (3887) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (17835).
(3)
اللِّجَامُ: هو حَبْلٌ أو عَصا تدخل في فَمِ الدَّابةِ، وتُلْزَف إلى قَفَاهُ. انظر لسان العرب (12/ 242)
(4)
قال الحافظ في الفتح (7/ 607): فيه دلالة على أن البُرَاق كَانَ مُعَدًا لرُكُوبِ الأنبياءِ، خِلافًا لِمَنْ نَفَى ذلك، وقد روى النسائي من طَريق يَزِيد بن أبي مَالكٍ عن أنس مَوْصُولًا وزاد: وَكَانَتْ تُسَخَّرُ للأنبياءِ قَبْلَهُ، ويؤيِّدُهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ.
وجاء في صحيح مسلم رقم الحديث (162) قال صلى الله عليه وسلم: "فَرَبَطْتُهُ -أي البراق- بالحلقة التي يَرْبط به الأنبياء".
وقال الإِمام السهيلي في الرَّوْض الأُوُنف (2/ 194): إنما استَصْعَبَ عليه لبُعْدِ عَهْدِ البُراق برُكوبِ الأنبياء قَبْله، وطولِ الفترة بينَ عِيسَى عليه السلام ومُحَمَّد صلى الله عليه وسلم.
(5)
فَارْفَضَّ عَرَقًا: أي جَرَى عرَقُهُ، وسالَ، ثم سَكَنَ، وانقادَ وترَكَ الاستِصْعَابَ. انظر لسان العرب (5/ 267).
(6)
أخرج ذلك: ابن حبان في صحيحه - كتاب الإسراء - باب استصعاب البراق عند ركوب النبي =