الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِسْلامُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه
- (1)
وَخِلَالَ هَذَا الْجَوِّ الْمَشْحُونِ بِالظُّلْمِ والطُّغْيانِ أَسْلَمَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه، وَهُوَ عَمُّ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَأَخُوة مِنَ الرَّضاعَةِ، وَكانَ رضي الله عنه أسَنَّ مِنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بِسَنَتَيْنِ، وَقِيلَ بِأَرْبَعِ سِنِينَ والْأَوَّلُ أَصَحُّ (2).
*
سَبَبُ إِسْلامِهِ رضي الله عنه
-:
وَسَبَبُ إِسْلامِهِ رضي الله عنه أَنَّ أَبا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الصَّفا فَآذَاهُ، وشَتَمَهُ، وَنالَ مِنْهُ بَعْضَ ما يَكْرَهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَاكِتٌ لَا يُكَلِّمُهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ لَعَنَهُ اللَّهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ، وَكَانَتْ مَوْلاةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَدْعانَ في مَسْكَنٍ لَهَا عَلَى الصَّفَا تَسْمَعُ ذَلِكَ، فَلَم يَلْبَثْ أَنْ أَقْبلَ حَمْزَةُ رضي الله عنه
(1) اختُلِفَ في سَنَةِ إسلامِهِ رضي الله عنه، فعنْدَ ابن سعد في طبقاته (3/ 7) بسند ضعيفٍ: أنهَا في السنَةِ السَّادسةِ منَ البعثَةِ.
وقِيل: في السنةِ الثانيِةِ منَ البِعثةِ، وبه جزمَ الحافظُ في الإصابةِ (2/ 105)، وابنُ الأثير في أسد الغابة (2/ 50).
(2)
قال ابن عبد البر في الاستيعاب (1/ 423): قيل: إِنَّ حَمزة رضي الله عنه أسَنُّ مِنْ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بأربعِ سنينَ، وهذا لا يَصِحُّ عندي؛ لأنَّ الحديثَ الثابِتَ أن حمزة وأبا سَلَمة عبد اللَّه بن عبدِ الأسد، أرضَعَتْهُما ثُوَيْبَةُ مع رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إلا أَنْ تكونَ أرضعتهُما في زَمانَيْنِ.
مُتَوَشِّحًا (1) قَوْسَهُ راجِعًا مِنْ قَنْصٍ (2) لَهُ.
فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَوْلاةُ، قالَتْ لَهُ: يَا أبَا عُمَارَةَ! لَوْ رَأَيْتَ ما لَقِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُحَمَّدٌ آنِفًا مِنْ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، وَجَدَهُ هَاهُنَا جَالِسًا فَآذَاهُ وَسَبَّهُ، وبَلَغَ مِنْهُ ما يَكْرَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ.
فَاحْتَمَلَ حَمْزَةَ رضي الله عنه الغَضَبُ لِمَا أرادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَرامَتِهِ -وَكَانَ حَمْزَةُ أَعَزَّ فَتًى في قُرَيْشٍ وَأَشَدَّ شَكِيمَةً (3) - فانْطَلَقَ يَسْعَى مُصَمِّمًا أَنَّهُ إِذَا لَقِيَ أبَا جَهْلٍ بَطَشَ بِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ نَظَرَ إِلَيْهِ جالِسًا في الْقَوْمِ، فَأقبلَ نَحْوَهُ حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى رَأْسِهِ رَفَعَ القَوْسَ، فَضَرَبَهُ بِهِ، فَشَجَّهُ شَجَّةً مُنْكَرَةً، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أتَشْتُمُ ابْنَ أخِي وأَنَا عَلَى دِينِهِ أَقُولُ ما يَقُولُ؟ فَرُدَّ عَلَيَّ ذَلِكَ إنِ اسْتَطَعْتَ، فَقامَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ إِلَى حَمْزَةَ لِيَنْصُرُوا أبَا جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو جَهْلٍ: دَعُوا أبَا عُمَارَةَ، فَإِنِّي واللَّهِ قَدْ سَبَبْتُ ابْنَ أخِيهِ سَبًّا قَبِيحًا.
وَعَادَ حَمْزَةُ رضي الله عنه إِلَى بَيْتهِ، وَقَدْ ساوَرَتْهُ الْوَسَاوِسُ الشَّيْطَانِيَّةُ والهَواجِسُ النَّفْسِيَّةُ، كَيْفَ ترَكْتَ دِينَ قَوْمِكَ، واتَّبَعْتَ هَذَا الصَّابِئَ، لَلْمَوْتُ خَيْرٌ لَكَ مِمَّا صَنَعْتَ، ثُمَّ الْتَمَسَ رضي الله عنه التَّوْفِيقَ والرُّشْدَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ رُشْدًا فاجْعَلْ تَصْدِيقَهُ في قَلْبِي، وإلَّا فاجْعَلْ لِي مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ مَخْرَجًا، فبَاتَ
(1) مُتَوَشِّحًا: أي مُتَقَلِّدًا. انظر لسان العرب (15/ 306).
(2)
القَنَصُ: الصَّيْدُ. انظر لسان العرب (11/ 319).
(3)
يُقال: فلانٌ شديدُ الشَّكِيمَةِ: إذا كان عَزيزَ النفْسِ أبِيًّا قَويًا. انظر النهاية (2/ 444).
-رضي الله عنه بِلَيْلَةٍ لَمْ يَبِتْ مِثْلَهَا مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ حَتَّى أصْبَحَ، فَغَدا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: يا ابْنَ أخِي! إنِّي وَقَعْتُ في أمْرٍ لا أعْرِفُ المَخْرَجَ مِنْهُ، وإقامَةُ مِثْلِي عَلَى مَا لَا أَدْرِي: أَرُشْدٌ هُوَ أمْ غَيٌّ شَدِيدٌ (1)! !
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فَحَدَّثَهُ بِحَدِيثهِ الذِي يُنِيرُ القُلُوبَ، ويُطَمْئِنُ النُّفُوسَ، ويُذْهِبُ ظُلُمَاتِ الشَّكِّ والوَسَاوِسِ، فَذَكَّرَهُ وبَشَّرَهُ، وأنْذَرَهُ، فَثبَتَ اللَّهُ تَعَالَى الإيمَانَ في قَلْبِهِ، فَقَالَ رضي الله عنه: أشْهَدُ إنَّكَ لَصادِقٌ، فَأَظْهِرْ دِينَكَ يا ابْنَ أخِي، فَواللَّهِ ما أُحِبُّ أَنَّ لِي ما أظَلَّتْهُ السَّماءُ، وأَنَا عَلَى دِينيَ الْأَوَّلِ.
وسُرَّ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بِإِسْلامِ عَمِّهِ حَمْزَةَ رضي الله عنه أيَّما سُرُورٍ، وعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ عَزَّ وامْتَنَعَ، وَأَنَّ حَمْزَةَ سَيَمْنَعُهُ (2).
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وكمَا يَقُولُ البَعْضُ طَلَبْنَا العِلْمَ لِلدُّنْيَا فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلدِّينِ (3)! كَانَ إسْلامُ حَمْزَةَ رضي الله عنه أوَّلَ الأَمْرِ
(1) قال الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه السيرة النَّبوِيَّة (1/ 300): هذا يدلُّ على حصَافَةٍ في العقلِ، وأصَالةٍ في التفكيرِ، واعتدِادٍ بالنَّفْسِ، وَأَنَّ القوم كانوا أصحابَ عُقُولٍ ومَواهِبَ، وأنَّهُمْ كانوا أهلًا لكل تَوْجيهٍ نَبَوِيٍّ كَريمٍ حتى صارُوا خيرَ أُمَّةٍ أُخرجَتْ للنَّاسِ.
(2)
أخرج قِصةَ إسلام حمزةَ بن عبد المطلب رضي الله عنه: الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة رضي الله عنهم باب ذكر إسلام حمزة رضي الله عنه رقم الحديث (4930) - وابن إسحاق في السيرة (1/ 328) - وإسناده صحيح.
(3)
قائِلُ هذهِ العبارةِ: هُوَ الإِمَامُ البحر أبو حامد الغزالي، المتوفى سنة 505 هـ.
قال عنه الذهبي في السير (19/ 322): الشيخ الإمام البحر، حجة الإِسلام، أعجوبة =
أَنَفَةَ رَجُلٍ أبَى أَنْ يُهَانَ ابْنُ أخِيهِ، ثُمَّ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ فاسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، واعْتَزَّ بِهِ المُسْلِمُونَ أيَّمَا اعْتِزازٍ (1).
* * *
= الزمان، زين الدين أبو حامد محمد بن محمد الطوسي، الشافعي، الغزالي، صاحب التصانيف، والذكاء المفرط.
(1)
انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص 116.