الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولَمَّا لَقِيَ بَحِيرَا الرَّاهِبَ، قَالَ لَهُ بَحِيرَا: أسْأَلُكَ بِاللَّاتِ والعُزَّى إِلَّا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أسْأَلُكَ عَنْهُ، وكَانَ بَحِيرَا سَمعَ قَوْمَهُ يَحْلِفُونَ بِهِمَا، فقَالَ لهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَسْأَلْنِي بِحَقِّ اللَّاتِ والعُزَّى شَيْئًا، فَوَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطُّ بُغْضِي لَهُمَا"(1).
وَرَوَى النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ رضي الله عنه قَالَ: . . . كَانَ صَنَمَانِ مِنَ نُحَاسٍ يُقَالُ لَهُمَا: إسَافٌ، وَنَائِلَةُ يَتَمَسَّحُ بهِمَا المُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا (2)، فَطَافَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وطُفْتُ مَعَهُ، فلَمَّا مَرَرْتُ، مَسَحْتُ بِهِ، فقَالَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَمَسَّهُ"، قَالَ زَيْدُ: فَطُفْنَا، فَقُلْتُ في نَفْسِي: لَأَمَسَّنَّهُ حتَّى أَنْظُرَ ما يَكُونُ، فَمَسَحْتُهُ، فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَمَسَّهُ، أَلمْ تُنْهَ؟ ".
قَالَ زَيْدٌ: فَوَالَّذِي أكْرَمَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ ما اسْتَلَمَ صَنَمًا قَطُّ حتَّى أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بالذِي أَكْرَمَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ (3).
*
بُغِّضَ إلى رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الشِّعْرُ:
وكَذَلِكَ بُغِّضَ إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم قَوْلُ الشِّعْرِ (4) فَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ شِعْرًا، أَوْ
(1) تقدَّم تخريج حديث بَحِيرا الرَّاهِب، وأنه صحيح.
(2)
يعنِي حَوْلَ الكَعْبَةِ.
(3)
أخرجه النسائي في السنن الكبري - كتاب المناقب - باب زيد بن عمرو بن نفيل - رقم الحديث (8132) - والذهبي في السيرة النبوية (1/ 73) وقال: هذا حديث حسن - وأورده الحافظ في الفتح (4/ 308) - وقوى إسناده.
(4)
روي الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (25020) - والطيالسي في مسنده - رقم =
أَنْشَأَ قَصِيدَةً، أَوْ حَاوَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ لا يَتَلاءَمُ ومَقَامُ النُّبُوَّةِ، ولَمْ يَكُنِ الشُّعَرَاءُ بِذَوِي الأخْلَاقِ، والسِّيرَةِ المَرْضِيَّةِ، فَلا عَجَبَ أَنْ نَزَّهَهُ اللَّهُ سبحانه وتعالى عَنِ الشِّعْرِ، والرِّسَالَةُ تَقْتَضِي انْطِلَاقًا في الأُسْلُوبِ والتَّعْبِيرِ، والشِّعْرُ تَقَيُّدٌ والْتِزَامٌ، وصَدَقَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ يَقُولُ:{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} (1).
ومَعَ هَذَا فَقَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم يتَذَوَّقُ ما فِي الشِّعْرِ مِنْ جَمَالٍ، وَحِكْمَةٍ، ورَوْعَةٍ، ويَسْتَنْشِدُهُ أصْحَابَهُ أحْيَانًا (2)، ولا عَجَبَ فَهُوَ القَائِلُ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا، وإنَّ مِنَ الشِّعْرِ حَكْمَةً"(3).
= الحديث (1593) بسند صحيح علي شرط الشيخين عن أبي نوفلِ بنِ أبي عَقْرب قال: سألتُ عائشةَ: هل كَانَ رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يُتَسَامَعُ عِنْدَهُ الشِّعْرُ؟
قَالَتْ رضي الله عنها: كَانَ أبْغَضَ الحَدِيثِ إليهِ.
(1)
سورة يس آية (69).
(2)
روى الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (2255) عن الشَّريدِ بن سُوَيدٍ الثَّقَفي رضي الله عنه قال: رَدِفْتُ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَومًا، فقال صلى الله عليه وسلم:"هَلْ معكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بنِ أَبِي الصِّلْتِ شَيئًا؟ "، قلتُ: نَعَمْ قال: "هِيه" فأنشَدْتُهُ بَيتًا، فَقَالَ:"هِيه" ثم أنشَدْتُهُ بيتًا، فَقَالَ:"هِيه" حتَّى أنشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ.
قال الإمام النووي في شرح مسلم (15/ 10): ومقصودُ الحديثِ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم استَحْسَنَ شِعْرَ أُميَّة، واستزادَ مِنْ إنشادِهِ؛ لِمَا فيهِ من الإقْرَارِ بالوَحْدَانِيَّةِ والبَعْثِ، ففيهِ جوازُ إنشادِ الشِّعْر الذي لا فُحْشَ فيه وسَمَاعُهُ، سَواءً شِعْرُ الجاهليّة وغيرهم، وَأَنَّ المَذْمُومَ منَ الشِّعر الذي لا فُحْشَ فيه إنما هو الإكثار مِنْهُ، وكَوْنه غَالبًا علي الإنْسَانِ، فأمَّا يَسِيرُهُ فلا بأسَ بإنْشَادِهِ، وسَمَاعِهِ، وحِفْظِهِ.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح باب الخطبة - رقم الحديث (5146) - وأخرجه في كتاب الأدب - باب (90) - رقم الحديث (6145).