الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المُطَّلِبِ! هَذِهِ وَاللَّهِ السَّوْأَةُ، خُذُوا عَلَى يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى يَدَيْهِ غَيْرُكُمْ، فَإِنْ أَسْلَمْتُمُوهُ حِينَئِذٍ ذَلَلْتُمْ، وَإِنْ مَنَعْتُمُوهُ قُتِلْتُمْ.
فَقَالَتْ صَفِيَّةُ عَمَّةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي طَالِبٍ: أيْ أُخَيَّ! أيَحْسُنُ بِكَ خُذْلَانُ ابْنِ أَخِيكَ؟ فَوَاللَّهِ مَا زَالَ العُلَمَاءُ يُخْبِرُونَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ عَبْدِ المُطَّلِبِ نَبِيٌّ فَهُوَ هُوَ.
فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: هَذَا وَاللَّهِ البَاطِلُ وَالْأَمَانِيُّ، وكَلَامُ النِّسَاءِ فِي الحِجَالِ (1)، إِذَا قَامَتْ بُطُونُ قُرَيْشٍ، وقَامَتْ مَعَهَا العَرَبُ فَمَا قُوَّتُنَا بِهِمْ؟ فَوَاللَّهِ مَا نَحْنُ عِنْدَهُمْ إِلَّا أَكْلَةُ رَأْسٍ (2)، فَقَالَ أَبُو طَالبٍ: واللَّهِ لَنَمْنَعَنَّهُ مَا بَقِينَا (3).
*
الدَّعْوَةُ عَلَى جَبَلِ الصَّفَا
(4):
بَعْدَمَا تَأَكَّدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ تَعَهُّدِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ بِحِمَايَتِهِ، أخَذَ صلى الله عليه وسلم يُفَكِّرُ فِي وَسِيلَةٍ جَدِيدَةٍ يُبَلِّغُ فِيهَا قَوْمَهُ رِسَالَةَ رَبِّهِ، فَصَعِدَ صلى الله عليه وسلم جَبَلَ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ
(1) الحَجَلَةُ: بَيْتٌ كالقُبَّةِ يُسْتَرُ بالثِّيَابِ، وتُجمَعُ على حِجَالٍ. انظر النهاية (1/ 334).
(2)
ما هُمْ إلا أكَلَةُ رَأْسٍ: أي قَلِيلٍ، قدر ما يُشْبعهُم رأسٌ واحِدٌ. انظر لسان العرب (1/ 171).
(3)
انظر الكامل في التاريخ (1/ 660)، وسبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (2/ 322).
(4)
الصَّفَا والمَرْوَةُ: هُمَا جبلانِ بينَ بَطْحَاء مكة والمسجد، أما الصَّفا فمكان مُرْتَفِعٌ من جبلِ أَبِي قُبَيْسٍ بينهُ وبين المسجِدِ الحرام عَرْضُ الوادِي، ومن وَقَفَ على الصَّفا كان بِحِذَاءَ الحَجَرِ الأسوَدِ. انظر معجم البلدان (5/ 192).
فَقَالَ: "يَا صَبَاحَاهُ"(1)، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ (2)؟ ، قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أرَأَيْتُكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ "(3)، قالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ:"فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ! ألِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ ، فنَزَلَتْ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ (4) وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. . .} (5).
ورَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ
(1) هذه كلمَةٌ تقُولُهَا العرَبُ إذا صاحُوا للغَارَةِ؛ لأنَّهُم أكثر ما يُغِيرُونَ عند الصَّبَاحِ، ويسمُّون يومَ الغارَةِ يومَ الصَّبَاحِ، فكأن القائل: يا صَبَاحَاهُ، يقول: قد غَشِيَنَا العَدُوُّ. انظر لسان العرب (7/ 273).
(2)
يَهْتِفُ: يُنَادِي. انظر النهاية (5/ 211).
(3)
قال الحافظ في الفتح (9/ 451): أرادَ بذلكَ تَقْرِيرَهُمْ بأنهم يَعْلَمُونَ صِدْقهُ إذا أخْبَرَ عن الأمرِ الغائِبِ.
(4)
قال الحافظ في الفتح (9/ 763): أَبُو لَهَبٍ هوَ ابنُ عبدِ المُطَّلِبِ واسمُهُ عبدُ العُزَّى، وكُنِّيَ أبا لَهَبٍ إما بِابنِهِ لهَب، وإما بشدَّةِ حمْرَةِ وجْنَتِهِ، وقد أخرج الفاكهي من طريق عبد اللَّه بن كثير، قال: إنما سُمِّيَ أبا لَهَب؛ لأن وَجْهَهُ كان يتَلَهَّبُ من حسْنِهِ.
ووافق ذلك ما آل إليه أمرُهُ من أنَّه سيَصْلى نارًا ذات لَهَبٍ، ولهذا ذُكر في القرآن بكُنْيَتهِ دونَ اسمه، ولكونه بها أشْهَر.
(5)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب وأنذر عَشِيرتك الأقربين - رقم الحديث (4770) - وباب سورة {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} - رقم الحديث (4971)(4972) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب في قوله تَعَالَى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} - رقم الحديث (208).
-صلى الله عليه وسلم حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ، قَالَ:"يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ (1) لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ويَا صَفِيَّةُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ! لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ويَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ! سَلِيني مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا"(2).
ورَوَى الإِمَامُ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وخَصَّ، فَقَالَ:"يَا بَنِي كعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ! أَنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كعْبٍ! أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ! أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ! أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ! يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ! أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِهَا"(3).
(1) قال الحافظ في الفتح (9/ 452): باعتبار تَخْلِيصِهَا منَ النار، كأنه قال: أسلموا تَسْلَمُوا من العذَاب، فكان ذلك كالشِّراء، كأنهم جَعَلوا الطاعة ثَمَنَ النَّجَاةِ، وفيه إشارةٌ إلى أن النفُوسَ كلها مُلكٌ للَّه تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ أطاعه حقَّ طاعتهِ في امتثالِ أوامرِهِ واجتنابِ نَوَاهيهِ وفَّى ما عليه من الثَّمَنِ.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب وأنذر عَشِيرَتك الأقربين - رقم الحديث (4771) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب في قوله تَعَالَى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} - رقم الحديث (206).
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب في قوله تَعَالَى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} - رقم الحديث (204). =