الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اسْتِهْزَاءُ المُشْرِكِينَ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
-
كَانَتْ تِلْكَ الاعْتِدَاءَاتُ بالنِّسْبَةِ للمُسْلِمِينَ ولا سِيَّمَا المُسْتَضْعَفِينَ مِنْهُمْ، أَمَّا بالنِّسْبَةِ إِلَى رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا شَهْمًا وَقُورًا، ذَا شَخْصِيَّةٍ فَذَّةٍ تَتَعَاظَمُهُ نُفُوسُ الأعْدَاءِ والأصْدِقَاءِ بِحَيْثُ لا يُقَابَلُ مِثْلُهَا إِلَّا بالإِجْلالِ والتَّشْرِيفِ مِنْ قِبَلِ الخَاصَّةِ والعَامَّةِ، وكان مَعَ ذَلِكَ في مَنَعَةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ.
لِذَلِكَ لَمْ تَسْتَطِعْ قُرَيْشٌ -بَادِئَ الأمْرِ- أَنْ تَبْطِشَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وتَعْتَدِيَ عَلَيْهِ كَمَا فَعَلَتْ بِالمُسْلِمِينَ، فجَعَلُوا يَهْمِزُونَهُ ويَسْتَهْرئُونَ بهِ ويُخَاصِمُونَهُ، وَكَانَ عَلَى رَأْسِ المُسْتَهْزِئِينَ: أَبُو لَهَبٍ عَمُّهُ، وعُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ، والحَكَمُ بنُ أَبِي العَاصِ، والأسْوَدُ بنُ المُطَّلِبِ أَبُو زَمْعَةَ، والأسْوَدُ بنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والوَليدُ بنُ المُغِيرَةِ، والعَاصُ بنُ وَائِلٍ، وأَبُو جَهْلِ بنِ هِشَامٍ (1).
*
عَدَاوَةُ أُمِّ جَمِيلٍ زَوْجَةِ أَبِي لَهَبٍ:
رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنهما قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} ، أَقْبَلَتِ
(1) انظر دلائل النبوة لأبي نعيم (1/ 268) - الرَّوْض الأُنُف (2/ 134).
الْعَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ، وَلَهَا وَلْوَلَةٌ، وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ (1)، وَهِيَ تَقُولُ:
مُذَمَّمًا أَبَيْنَا
…
ودِينَهُ قَلَيْنَا (2)
وأمْرَهُ عَصَينَا
وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، فَلَمَّا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه قَالَ: يَا رسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَقْبَلَتْ وأَنَا أَخَافُ أَنْ تَرَاكَ، فقَالَ صلى الله عليه وسلم:"إنَّهَا لَنْ تَرَانِي"، وقَرَأَ قُرآنا فَاعْتَصَمَ بِهِ كَمَا قَالَ، وقَرَأَ:{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} (3).
فَوَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، وَلَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَي أُخْبِرْتُ أَنَ صَاحِبَكَ هَجَانِي، فَقَالَ رضي الله عنه: وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ "مَا هَجَاكِ، فَوَلَّتْ، وَهِيَ تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي بِنْتُ سَيِّدِهَا (4)
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِشَوَاهِدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} ، جَاءَتَ امْرَأَةُ أَبِي
(1) الفِهرُ: هوَ الحَجَرُ مِلْءُ الكف، وقيل: هو الحجر مُطلقًا. انظر لسان العرب (10/ 341).
(2)
قَلَيْتُهُ: أبْغَضْتُهُ وكَرِهْتُهُ. انظر لسان العرب (11/ 293).
ومنه قوله تَعَالَى في سورة الضحى آية (3): {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} .
(3)
سورة الإسراء آية (45).
(4)
أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب أم جميل عميت عن رؤية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رقم الحديث (3428).