الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ، أَثْنَى عَلَيْهَا، فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ، قَالَتْ: فَغِرْتُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: مَا أكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ (1)، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عز وجل خَيْرًا مِنْهَا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عز وجل خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ، وصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، ورَزَقَنِي اللَّهُ عز وجل وَلَدَهَا (2) إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ"(3).
*
مُكَافَأَةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لِخَدِيجَةَ رضي الله عنها:
وَمِمَّا كَافَأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِهِ خَدِيجَةَ رضي الله عنها في الدُّنْيَا أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ في حَيَاتِهَا غَيْرَهَا، فَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ (4) مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: لَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ، وهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيه بِيْنَ أَهْلِ العِلْم بِالأَخْبَارِ، وفِيهِ دَلِيل عَلَى عِظَمِ
(1) قال الحافظ في الفتح (7/ 521): والمرادُ بالشّدْقَيْنِ: ما في باطنِ الفمِ فكَنَّتْ بذلِكَ عن سُقُوطِ أسنَانِهَا حتَّى لا يَبْقَى داخلِ فَمِهَا إلا اللحمِ الأحمرِ من اللِّثَةِ وغيرها.
وقال النووي في شرح مسلم (15/ 164): معناه عجوزٌ كبيرَةٌ جِدًا، حتَّى سقَطَتْ أسنَانُهَا من الكِبَرِ، ولم يبقَ لِشِدْقِهَا بياضُ شيءٍ من الأسنان، إنمَا بقِيَ فيه حُمْرَةُ لِثَاتِهَا.
(2)
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 140): كان هذا الحديثُ قبل أن يُولَدَ إبراهيمُ ابن النبي صلى الله عليه وسلم من مارِيَة، وقبل مقدَمِهَا بالكليَّةِ وهذا مُعيَّن، فإن جميعَ أولادِ النبي صلى الله عليه وسلم من خديجةَ رضي الله عنها إلا إبراهيم فمن مَارِيَهَ القِبْطِيَّة المِصْرِيَّة رضي الله عنها.
(3)
رواه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (24864) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 140) وقال: تفرد به أحمد، وإسناده لا بأس به.
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، رقم الحديث (2436).
قَدْرِهَا عِنْدَهُ، وَعَلَى مَزِيدِ فَضْلِهَا لِأَنَّهَا أَغْنَتْهُ عَنْ غَيْرِهَا وَاخْتَصَّتْ بِهِ بِقَدْرِ مَا اشْتَرَكَ فِيهِ غَيْرُهَا مَرَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم عَاشَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ عَامًا، انْفَرَدَتْ خَدِيجَةُ مِنْهَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا، وَهِيَ نَحْوُ الثُّلُثَيْنِ مِنَ المَجْمُوعِ، وَمَعَ طُولِ المُدَّةِ فَصَانَ قَلْبَهَا فِيهَا مِنَ الغَيْرَةِ، ومِنْ نَكَدِ الضَّرَائِرِ (1) الذِي رُبَّمَا حَصَلَ لَهُ هُوَ مِنْهُ مَا يُشَوِّشُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَهِيَ فَضِيلَةٌ لَمْ يُشَارِكْهَا فِيهَا غَيْرُهَا، وَمِمَّا اخْتُصَّتْ بِهِ سَبْقُهَا نِسَاءَ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَى الإِيمَانِ، فَسَنَّتْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ آمَنَتْ بَعْدَهَا، فَيَكُونُ لَهَا مِثْلُ أَجْرِهِنَّ، لِمَا ثَبَتَ في الحَدِيثِ الذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (2) فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ "مَنْ سَنَّ في الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، كَانَ لَهُ أجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ" الحَدِيثَ.
وَقَدْ شَارَكَهَا في ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّجَالِ، وَلَا يَعْرِفُ قَدْرَ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الثَّوَابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ عز وجل (3).
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: في هَذهِ الأَحَادِيثِ دَلِيلٌ لِحُسْنِ العَهْدِ، وحِفْظِ الوُدِّ، ورِعَايَةِ حُرْمَةِ الصَّاحِبِ، وَالعَشِيرَةِ حَيًّا وَمَيْتًا، وَإِكْرَامِ أَهْلِ ذَلِكَ الصَّاحِبِ (4).
(1) الضَّرَائِرُ: زوجاتُ الرَّجُلِ. انظر لسان العرب (8/ 48).
(2)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده، رقم الحديث (19156).
(3)
انظر فتح الباري (7/ 517).
(4)
انظر صحيح مسلم بشرح النووي (15/ 164).