الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اسْتِئْذَانُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي الهِجْرَةِ إِلَى الحَبَشَةِ
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِ مَكَّةُ وأصَابَهُ فِيهَا الأَذَى، وَرَأَى مِنْ تَظَاهُرِ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وأصْحَابِهِ مَا رَأَى، اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في الهِجْرَةِ فَأَذِنَ لَهُ (1).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ (2) إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ (3)، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الحَبَشَةِ (4) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَادِ (5)، لَقِيَهُ ابنُ الدُّغُنَّةِ (6)، -وَهُوَ سَيِّدُ
(1) انظر سيرة ابن هشام (1/ 410).
(2)
قال الحافظ في الفتح (2/ 141): المراد بأبَوَي عائشة رضي الله عنها أَبُو بكر وأم رُومَان، وهو دالٌّ علي تقدُّم إسلام أمِّ رُومان رضي الله عنها.
(3)
قال الحافظ في الفتح (7/ 638): أي بدينِ الإسلام.
(4)
قال الحافظ في الفتح (7/ 638): أي ليلحَقَ بمَنْ سبقه إليها من المسلمين، وقد قدمت أن الذين هاجَرُوا إلى الحبشة أوَّلًا ساروا إلى جُدَّة وهي ساحِلُ مَكَّةَ، ليركبوا منها البحر إلى الحبشة.
(5)
قال الحافظ في الفتح (7/ 639): بَرْكُ الغِمَادِ: هو موضعٌ علي خمسِ لَيالٍ من مكة إلى جِهَةِ اليَمَنِ.
(6)
قال الحافظ في الفتح (7/ 639): ابنُ الدُّغُنَّةِ: بضمِّ المهملة والمعجمة وتشديد النون =
القَارَّةِ (1) -. فَقَالَ: أيْنَ تُرِيدُ يَا أبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أخْرَجَنِي قَوْمِي (2) فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ (3) في الأَرْضِ وأَعْبُدَ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ ولَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ (4)، فأَنَا لَكَ جَارٌ (5). ارْجعْ وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فَرَجَعَ، وارْتَحَلَ مَعَهُ ابنُ الدُّغُنَّةِ، فَطَافَ ابنُ الدُّغُنَّةِ عَشِيَّةً في أشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ (6) ولَا يُخْرَجُ (7)، أتُخْرِجُونَ
= عند أهل اللغة، وعند الرواة بفتح أوله وكسر ثانيه وتخفيف النون.
والدغنَّةُ هي أمُّه، وقيل: أمُّ أبيه، وقيل دابَّته، ومعنى الدُّغنة: المُسْتَرْخِيَةُ وأصلها الغَمَامَةُ الكثيرة المَطَر.
(1)
قال الحافظ في الفتح (7/ 639): القَارَّة: هي قبيلةٌ مشهورةٌ من بَنِي الهون، بالضم، والتخفيف، ابن خزيمةَ بن مدركةَ بنِ إلياسَ بن مُضَر، وكانوا حلفاءَ بني زُهرة من قريش، وكانوا يضرب بهم المثل في قوة الرَّمْي.
(2)
قال الحافظ في الفتح (7/ 639): أي تسببوا في إخراجي.
(3)
قال الحافظ في الفتح (7/ 640): لعل أبا بكر طَوَى عن ابنِ الدُّغُنَّةِ تعيينَ جهة مَقصده لكونه كان كَافرًا، وإلا فقد تقدَّم أنَّه قَصَد التوجُّهَ إلى أرض الحبشةِ، ومن المعلومِ أنَّه لا يَصِلُ إليها من الطريق التي قصدها حتَّى يسيرَ في الأرضِ وحدَهُ زَمَانًا فيَصْدُق أنَّه سَائِحٌ، لكن حقيقةُ السياحة أن لا يَقْصِدَ مَوْضِعًا بعييهِ يَسْتَقِرُّ فيه.
(4)
قال الحافظ في الفتح (7/ 640): وفي موافقةِ وصْفِ ابنِ الدُّغُنَّةِ لأبي بكر بمِثْلِ ما وصَفَتْ به خَدِيجَةُ النبي صلى الله عليه وسلم ما يدُل علي عَظِيم فَضْلِ أبي بكر رضي الله عنه، واتِّصَافِهِ بالصفاتِ البالغَةِ في أنواعِ الكمال.
(5)
قال الحافظ في الفتح (7/ 640): أي مجير أمنع من يؤذيك.
(6)
قال الحافظ في الفتح (7/ 640): أي مِنْ وطنِهِ باختيارِهِ علي نيَّةِ الإقامة في غيره مع ما فيه من النَّفعِ المُتَعَدِّي لأهل بلدِهِ.
(7)
قال الحافظ في الفتح (7/ 640): أي ولا يخرجه أحد بغيرِ اختيارِهِ للمعنى المذكور، =
رَجُلًا يَكْسِبُ المَعْدُومَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَحْمِلُ الكَلَّ، ويَقْرِي الضيْفَ، ويُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ؟ .
فَلَمْ تَكْذِبْ (1) قُرَيْشٌ بِجِوَارِ ابنِ الدُّغُنَّةِ، وقَالُوا لِابْنِ الدُّغُنَّةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبّه في دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ فِيهَا ولْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وأبْنَاءَنَا، فَقَالَ ذَلِكَ ابنُ الدُّغُنَّةِ لِأَبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ لِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ في دَارِهِ، ولَا يَسْتَعْلِنُ بِصَلَاتِهِ ولَا يَقْرَأُ في غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ (2) فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ (3) وكَانَ يُصلِّي فِيهِ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ فَيَنْقَذِفُ (4) عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وأبْنَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ ويَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وكَانَ أَبُو بَكْر رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ (5) إِذَا قَرَأَ
= واستَنْبَطَ بعضُ المالكيةِ مِنْ هذا أَنَّ من كانت فيه مَنفعة مُتَعَدِّية لا يُمكّن من الانتقالِ عن البَلَدِ إلى غيرِهِ بغيرِ ضَرُوَةٍ رَاجِحَةٍ.
(1)
قال الحافظ في الفتح (7/ 640): أي لَمْ تَرُدَّ عليه قوله في أمَانِ أبي بَكر رضي الله عنه، وكل من كَذَّبَكَ فقد رَدَّ قولك.
(2)
قال الحافظ في الفتح (7/ 640): أي ظَهَرَ له رأيٌ غيرُ الرأي الأول.
(3)
الفِنَاء: بكسر الفَاء، وهو المُتَّسَعُ أمَامَ الدَّار. انظر النهاية (3/ 428).
(4)
في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (2297) -: فيتَقَصَّفُ: أي يزدَحِمُونَ عليه. انظر النهاية (4/ 65).
قال الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه السِّيرة النَّبوِيَّة (1/ 383): وهذه القصة تَدُل دلالةً واضحة على تأثيرِ القرآن وإعجازِهِ البيانِيِّ والبلاغي في نُفوس العَرَب الخُلَّصِ، وسَواء في ذلك الرجال والنساء، بل والصبيان.
قلتُ: قد مرَّ معنا تأثير القرآنِ علي العرب في قِصَّةِ سجودِ الكفار عندما نزلت سورة النجم.
(5)
قال الحافظ في الفتح (7/ 641): أي لا يُطِيقُ إمساكهُمَا عن البُكَاءَ من رقَّةِ قلبه.
القُرآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ (1) أشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابنِ الدُّغُنَّةِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: إنَّا كُنَّا أجَرْنَا أبَا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّه في دَارِهِ، فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفَنَاءِ دَارِهِ، فَأَعْلَنَ بِالصَّلَاةِ والقِرَاءَةِ فِيهِ، وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وأبْنَاءَنَا، فَانْهَهُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّه في دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ (2)، فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، ولَسْنَا مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلَانَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابنُ الدُّغُنَّةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وإمَّا أَنْ تُرْجعَ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ في رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وأَرْضَى بِجِوَارِ (3) اللَّهِ عز وجل (4).
* * *
(1) قال الحافظ في الفتح (7/ 641): أي أخافَ الكفار لِمَا يعلمونَهُ من رِقَّةِ قلوبِ النساء والشَّباب أن يَمِيلُوا إلى دين الإسلام.
(2)
قال الحافظ في الفتح (7/ 641): أي أمَانَكَ له.
(3)
قال الحافظ في الفتح (7/ 641): أي أمانَهُ وحمايَتَهُ، وفيه جوازُ الأخذِ بالأشَدِّ في الدين، وقوَّة يقينِ أبي بكر رضي الله عنه.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (3905) - وأخرجه في كتاب الكفالة - باب جوار أبي بكر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم رقم الحديث (2297) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب ذكر وصف كيفية خروج المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة
- رقم الحديث (6277).