الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَعْدِهِ، وكَانَ ذَا شَرَفٍ في قَوْمِهِ، وَفَضْلٍ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ: الفَيْضَ لِسَخَائِهِ وفَضْلِهِ.
ولَمَّا صَارَ شَيْبَةُ بنُ هَاشِمٍ وَصِيفًا (1) أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ سَمعَ بِهِ، المُطَّلِبُ فَرَحَلَ في طَلَبِهِ فَلَمَّا رَآه عَرَفَ شَبَهَ أبِيهِ فِيهِ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وضَمَّهُ إلَيْه، وَكَسَاهُ حُلَّةً، وأَرْدَفه عَلَى رَاحِلَتِهِ فَقَالَ شَيْبَةُ لِعَمِّهِ: لَسْتُ بِمُفَارِقٍ أمِّي إلَّا أَنْ تأْذَنَ لِي، فَسَألهَ المُطَّلِبُ أَنْ تُرْسِلَهُ مَعَهُ فَأَبَتْ، فَقَالَ لَهَا: إنِّي غَيْرُ مُنْصَرِفٍ حتَّى أخْرُجَ بِهِ مَعِي، إِنَّ ابنَ أخِي قَدْ بَلَغَ وهُوَ غَرِيبٌ في غَيْرِ قَوْمِهِ، ونَحْنُ أهْلُ بَيْتِ شَرَفٍ فِي قَوْمِنَا، نَلِي كَثِيرًا مِنْ أَمْرِهِمْ، وقَوْمُهُ وبَلَدُهُ وعَشِيرتُهُ خَيْر لَهُ مِنَ الإقَامَةِ في غَيْرِهِمْ، فَأَذِنَتْ له فَاحْتَمَلَهُ فَدَخَلَ بِهِ مَكَّةَ مُرْدِفَهُ عَلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: هذا المُطَّلِبُ اشْترَى عَبْدًا فُسُمِّيَ شَيْبَةُ عَبْدَ المُطَّلِبِ.
فَقَالَ المُطَّلِبُ: وَيْحَكُمْ! إنَّمَا هُوَ ابْنُ أخِي هَاشِمٍ قَدِمْتُ بِهِ مِنَ المَدِينَةِ (2).
*
وفَاةُ المُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ:
فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ المُطَّلِبِ مُقِيمًا بِمَكَّةَ حَتَّى تَرَعْرَعَ ثُمَّ إِنَّ المُطَّلِبَ بنَ عَبْدِ مَنَافٍ خَرَجَ تَاجِرًا فَهَلَكَ في مَنْطِقَةِ رَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ اليَمَنِ، فَوَليَ بَعْدَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ السِّقَايَةَ، والرِّفَادَةَ فَأَقَامَهَا لِلنَّاسِ، وأَقَامَ لِقَوْمِهِ مَا كَانَ آبَاؤُهُ يُقِيمُونَ
(1) الوَصِيفُ: هُوَ الغُلَامُ دُونَ المُرَاهِقِ. لسان العرب (15/ 316).
(2)
انظر تاريخ الطبري (1/ 501، 502) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (1/ 37) - الرَّوْض الأُنُف (1/ 23).
قَبْلَهُ لِقَوْمِهِمْ مِنْ أمْرِهِمْ، وكَانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ جَسِيمًا أبْيَضَ، وَسِيمًا طِوَالًا فَصِيحًا، مَا رَآهُ أَحَدٌ قَطُّ إلَّا أَحَبَّهُ، وَشَرُفَ في قَوْمِهِ شَرَفًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ، وأحَبَّهُ قَوْمُهُ، وعَظُمَ خَطَرُهُ فَيهِمْ حَتَّى عُرِفَ بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ:"بِشَيْبَةَ الحَمْدِ" لِكَثْرَةِ حَمْدِ النَّاسِ إيَّاهُ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ:"الفَيَّاضُ" لِجُودِهِ، ويُقَالُ لَهُ:"مُطْعِمُ طَيْرِ السَّمَاءِ"؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ مِنْ مَائِدَتِهِ لِلطَّيْرِ والوُحُوشِ عَلَى رُؤُوسِ الجِبَالِ.
ومِمَّا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بِالكَرَمِ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ والطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ حُصَيْنٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ، كَانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ خَيْرًا لِقَوْمِهِ مِنْكَ: كَانَ يُطْعِمُهُمُ الكَبِدَ والسَّنَامَ. . . (1).
هذَا ولَمْ يَكُنْ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَظِيمًا عِنْدَ قُرَيْشٍ فَحَسْبُ وَإِنَّمَا كَانَ عَظِيمًا كَذَلِكَ في جَمِيعِ أنْحَاءِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ ذَهَبَ إِلَى اليَمَنِ مُهَنِّئًا بِالمُلْكِ عِنْدَمَا تَوَلَّى مَعْدِيكَرِبَ سَيْفُ بنُ ذِي يَزَنٍ عَرْشَ اليَمَنِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ كَانَ ذُو مَكَانَةٍ عِنْدَ مُلُوكِ العَرَبِ كَمَا يَدُلُّ في الوَقْتِ نَفْسِهِ عَلَى مَكَانَتِهِ عِنْدَ قُرَيْشٍ حتَّى أنَّهُ كَانَ رَئِيسًا لِوَفْدِهَا فِي هَذِهِ المُهِمَّاتِ العَظِيمَةِ (2).
* * *
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (19992) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (2525) - وأورده الحافظ في الإصابة (2/ 76) وصحح إسناده.
(2)
انظر شرح المواهب (1/ 271).