الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَيْتَهُ، وَأَقَلَّ الخُرُوجَ.
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها. . . اجْتَمَعَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُصِيبَتَانِ (1)، فَلَزِمَ بَيْتَهُ، وَأَقَلَّ الخُرُوجَ (2).
*
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ المُصِيبَةِ:
كَانَ مِنْ هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ المُصِيبَةِ السُّكُونُ، وَالرِّضَى بِقَضَاءَ اللَّهِ، والحَمْدُ للَّهِ، وَالِاسْتِرْجَاعُ، ويَبْرَأُ مِمَّنْ خَرَّقَ لِأَجْلِ المُصِيبَةِ ثِيَابَهُ، أَوْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالنَّدْبِ والنِّيَاحَةِ، أَوْ حَلَقَ لَهَا شَعْرَهُ (3).
*
فَضْلُ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها:
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ (4) مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عليها السلام مِنْ رَبِّهَا (5) وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ
(1) وهُمَا: مَوْتُ عمِّه أبي طالب، وخَدِيجة رضي الله عنها.
(2)
انظر الطبَّقَات الكُبْرى (1/ 101).
(3)
انظر زاد المعاد (1/ 508).
(4)
في رواية الإمام مسلم في صحيحه قال: أتَتْكَ.
(5)
قال ابن القيم في جلاء الأفهام ص 349: وهذه لعَمْرُ اللَّهِ خاصَّةٌ لم تَكُنْ لِسِوَاهَا.
في الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ (1)، لَا صَخَبَ (2) فِيهِ ولَا نَصَبَ" (3).
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: مُنَاسَبَةُ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ -أَعْنِي المُنَازَعَةَ وَالتَّعَبَ- أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا دَعَا إِلَى الإِسْلَامِ أَجَابَتْ خَدِيجَةُ طَوْعًا فَلَمْ تُحْوِجْهُ إِلَى رَفْعِ صَوْتٍ، وَلَا مُنَازَعَةٍ، وَلَا تَعَبٍ في ذَلِكَ، بَلْ أَزَالَتْ عَنْهُ كُلَّ نَصبٍ، وَآنسَتْهُ مِنْ كُلِّ وِحْشَةٍ، وَهَوَّنَتْ عَلَيْهِ كُلَّ مَكْرُوهٍ، فنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُهَا الذِي بَشَّرَهَا بِهِ رَبُّها بِالصِّفَةِ المُقَابِلَةِ لِفِعَالِهَا (4).
وَرَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ والتِّرْمِذِيُّ والإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ،
(1) قال الإمام النووي في شرح مسلم (15/ 162): القَصَبُ: قال جمهُورُ العلماءِ: المرادُ به اللُّؤْلُؤُ المُجَوَّفُ.
وقال الإمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (1/ 417): وإنما بشَّرهَا ببَيْتٍ في الجنَّةِ من قَصَبٍ، لأنها حازَتْ قَصَبَ السَّبْقِ إلى الإيمَانِ.
قال ابنُ الأثير في النهاية (4/ 59): ومعنى قَصَبُ السَّبْقِ: أي استَوْلَى عَلَى الأمر.
(2)
قال الحافظ في الفتح (7/ 518): الصَّخَبُ: هو الصِّيَاحُ والمُنَازَعَةُ برفعِ الصَّوْتِ.
(3)
قال الحافظ في الفتح (7/ 518): النَّصَبُ: هو التَّعَبُ.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها رقم الحديث (3820) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل خديجة أم المؤمنين - رقم الحديث (2432).
(4)
انظر الرَّوْض الأُنُف (1/ 417).
وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ" (1).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَالقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ آسِيَةَ، ومَرْيَمَ، وخَدِيجَةَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُنَّ كَفِلَتْ نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَأَحْسَنَتِ الصُّحْبَةَ في كَفَالَتِهَا وصَدَّقتهُ، فَآسِيَةُ رَبَّتْ مُوسَى عليه السلام، وأحْسَنَتْ إِلَيْهِ، وصَدَّقَتْهُ حِينَ بُعِثَ، ومَريَمُ عليها السلام كَفِلَتْ وَلَدَهَا أَتَمَّ كَفَالَةٍ، وأعْظَمَهَا، وصَدَّقَتْهُ حِينَ أُرْسِلَ، وخَدِيجَةُ رضي الله عنها رَغِبَتْ في تَزْوِيجِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِهَا، وَبَذَلَتْ في ذَلِكَ أمْوَالَهَا، وصَدَّقَتْهُ حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ مِنَ اللَّهِ عز وجل (2).
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ، وخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ"(3).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَالأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَيْرُ نِسَاءِ الأَرْضِ في عَصْرِهَا (4)
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة - باب ذكر خديجة رضي الله عنها رقم الحديث (7003) - والترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب فضل خديجة رضي الله عنها رقم الحديث (3216) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (12391).
(2)
انظر البداية والنهاية (3/ 141).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها رقم الحديث (3815) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها رقم الحديث (2430).
(4)
انظر صحيح مسلم بشرح النووي (15/ 161).
ورَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في الأَرْضِ خُطُوطًا أَرْبَعَةً قَالَ: "أتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ " قَالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، ومَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ"(1).
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا غِرْتُ (2) عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، ولَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، ورُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُها أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فربَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إلا خَدِيجَةُ؟ فَيَقُولُ: "إنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ (3)، وكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ"(4).
وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في المُسْنَدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (2668) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم مناقب الصحابة - باب ذكر البيان بأن خديجة من أفضل نساء أهل الجنة - رقم الحديث (7010).
(2)
قال الحافظ في الفتح (7/ 515): فيه إثباتُ الغَيْرَةِ وأنها غيرُ مُسْتَنْكَرٍ، وُقُوعها من فاضِلاتِ النسَاءِ فضلًا عمَّنْ دُونَهُنَّ، وأن عائشة رضي الله عنها كانت تَغَارُ من نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكن كانت تغَارُ من خديجَةَ أكثر، وقد بَيّنَتْ سببَ ذلك وأنه لكثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إياها.
(3)
قال الحافظ في الفتح (7/ 516) أي كانت فاضِلةً وكانت عَافِلَةً، ونحو ذلك.
(4)
رواه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها رقم الحديث (3818).