الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} (1)، وَقَالَ اللَّه تَعَالَى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (2).
وصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَتَقَرَّبْ لِصَنَمٍ قَطُّ حتَّى أكْرَمَهُ اللَّه بِالنُّبُوَّةِ، وأنَّهُ ما هَمَّ بِعَمَلٍ مِنْ أعْمَالِ الجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ إِلَّا عَصَمَهُ اللَّه تَعَالَى -كمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ-، فكَيْفَ يَكُونُ في الإِسْلامِ؟ .
*
أقْوالُ العُلَمَاءِ في بُطْلانِ هَذِهِ القِصَّةِ:
وَقَدْ طَعَنَ في صِحَّةِ القِصَّةِ جَمْعٌ مِنَ العُلَمَاءِ:
قَالَ القاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَمْ يُخْرِجْها أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الصِّحَّةِ، ولا رَوَاهَا ثِقَةٌ بِسَنَدٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ، وإنَّمَا أُولِعَ بِهَا، وبِمِثْلِها المُفَسِّرُونَ والمُؤَرِّخُونَ المُولَعُونَ بِكُلِّ غَرِيبٍ، المُتَلَقِّفُونَ مِنَ الصُّحُفِ كُلَّ صَحِيحٍ وسَقِيمٍ، ومَنْ حُكِيَتْ هَذِهِ الحِكَايَةُ عَنْهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ والتَّابِعِينَ لَمْ يُسْنِدْها أَحَدٌ مِنْهُمْ، ولا رَفَعَها إِلَى صَاحِبٍ، وأَكْثَرُ الطُّرُقِ عَنْهُمْ فِيهَا ضَعِيفَةٌ واهِيَةٌ (3).
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا ما يَروِيهِ الإِخْبَارِيُّونَ والمُفَسِّرُونَ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ ما جرَى عَلَى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الثَّناءِ عَلَى
(1) سورة الحاقة آية (44 - 46)، والوَتينُ هو: العِرقُ الذي القَلْبُ مُعَلَّقٌ فِيهِ. انظر تفسير ابن كثير (8/ 218).
(2)
سورة النجم آية (3 - 4).
(3)
انظر كتاب الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 132 - 133) للقاضي عياض.
آلِهَةِ المُشْرِكِينَ في سُورَةِ النَّجْمِ فَباطِلٌ لا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ، لا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ العَقْلِ؛ لِأَنَّ مَدْحَ إِلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كُفْرٌ، ولا يَصِحُّ نِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلا أَنْ يَقُولَهُ الشَّيْطانُ عَلَى لِسَانِهِ، ولا يَصِحُّ تَسْلِيطُ الشَّيْطانِ عَلَى ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ (1).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هاهُنا قِصَّةَ الغَرَانِيقِ، وَمَا كَانَ مِنْ رُجُوعِ كَثِيرٍ مِنَ المُهَاجِرَةِ مِنْ أَرْضِ الحَبَشَةِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قَدْ أَسْلَمُوا، وَلَكِنَّهَا مِنْ طُرُقٍ كُلّها مُرْسَلَةٌ، ولَمْ أرَهَا مُسْنَدَةً مِنْ وَجْهٍ صحِيحٍ، واللَّهُ أعْلَمُ (2).
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَزْعُمُ بَعْضُ المُغَفَّلِينَ أَنَّهُ وَقَعَتْ هُدْنَةٌ حَقًّا بَيْنَ الإِسْلامِ والوَثَنِيَّةِ أساسُها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَقَرَّبَ إِلَى المُشْرِكينَ بِمَدْحِ أصْنَامِهِمْ، والاعْتِرافِ بِمَنْزِلَتِهَا! وَأَنَّ هَذِهِ الهُدْنَةَ الوَاقِعَةَ هِيَ التِي أعَادَتِ المُسْلِمِينَ مِنَ الحَبَشَةِ. . .
ومَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَدْحِ الأَصْنَامِ؟ يُجِيبُ هَؤُلاءَ المُغَفَّلُونَ بِأنَّهُ قَالَ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلَا. وَإِنَّ شَفاعَتَهُنَّ لتُرْتَجَى؟
وأيْنَ وَضَعَ هَذِهِ الكَلِماتِ؟ وَضَعَها في سُورَةِ (النَّجْمِ) مُقْحَمَةٌ وَسَطَ الآياتِ التِي جَاءَ فِيهَا ذِكْرُ هَذِهِ الأصْنَامِ.
(1) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (5/ 64).
(2)
انظر تفسير ابن كثير (5/ 441).
ويَكُونُ مَعْنَى الكَلامِ عَلَى هَذَا: خَبِّرُوني عَنْ أصنامِكُمْ أهِيَ كَذَا كَذَا؟ إِنَّ شَفاعَتَها مَرجُوَّةٌ، إِنَّها أسْمَاءٌ لا حَقَائِقَ لَها. إنَّها خُرافاتٌ ابْتُدِعَتْ واتُّبِعَتْ. ما لَكُمْ جَعَلْتُمُوهَا إِنَاثًا ونَسَبْتُمُوها للَّهِ تَعَالَى، وأَنْتُمْ تَكْرَهُونَ نِسْبَةَ الإنَاثِ لَكُمْ؟ تِلْكَ قِسْمَةٌ جائِرَةٌ!
فَهَلْ هَذَا كَلامٌ يصْدُرُ عَنْ عاقِلٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْزِلَ به وَحْيٌ حَكِيمٌ؟ ولَكِنْ هَذَا السُّخْفُ وُجِدَ مَنْ يَكْتبُهُ ويَنْقُلُهُ.
إِنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم لَوْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ بِاخْتِلاقِ كَلامٍ عَلَيْهِ لقطِعَ عُنقهُ بِنَصِّ الكِتَابِ الذِي جَاءَ بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} (1).
والذِي في الصَّحِيحِ أَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ سُورَةَ (النَّجْمِ) في مَحْفَلٍ يَضُمُّ مُسْلِمِينَ ومُشْرِكِينَ، وخَواتِيمُ هَذِهِ السُّورَةِ -أيْ سُورَةِ النَّجْمِ- قَوَارعُ تَطِيرُ لَها القُلُوبُ، فَلَمَّا أخَذَ صَوْتُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم يَهْدُرُ بِهَا، ويَرْعُدُ بِنَذْرِها حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55)
(1) سورة الحاقة آية (44 - 47).