الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبعد ذكر هذه القواعد التي قعَّدها السمعاني، متتبعاً فيها النصوص، ومستقرئاً كلام السلف، نختم بما نقله عنه الأصبهاني، في بيان منهج أهل السنة في هذا الباب: " وأما أهل السنة ـ سلمهم الله ـ، فإنهم يتمسكون بما نطق به الكتاب، ووردت به السنة، ويحتجون له بالحجج الواضحة، والدلائل الصحيحة، على حسب ما أذن فيه الشرع، وورد به السمع، ولا يدخلون بآرائهم في صفات الله تعالى، ولا في غيرها من أمور الدين، وعلى هذا وجدوا سلفهم وأئمتهم
…
وإذا كان الأمر على ما قلنا، وقد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعهم في هذه الأمور إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر، وذكر ما هيتها، ولا يمكن لأحد من الناس أن يروي في ذلك عنه، ولا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم من هذا النمط حرفاً واحداً فما فوقه، لا في طريق تواتر، ولا آحاد، فعلمنا أنهم ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء، وسلكوا غير طريقهم، وأن هذا طريق محدث مخترع، لم يكن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه. وسلوكه يعود عليهم بالطعن، والقدح، ونسبتهم إلى قلة العلم في الدين، واشتباه الطريق عليهم، فإياك ـ رحمك الله ـ أن تشتغل بكلامهم، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم؛ فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم، إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه أو يقاربه "
(1)
.
المطلب الثالث: معاني أسماء الله تعالى وصفاته، ومقتضياتها:
تَتَبُعُ الأسماءِ والصفاتِ وإحصائها، وبيانِ معانيها، وإن كان بعض الأئمة قد خصها بمصنفات، إلا أن إبراز جهد السمعاني فيه يُؤكد على عدة قضايا:
1 -
قضايا معرفية: وتظهر من جهة التعبد بهذه الأسماء والصفات، والتعبد لازم المعرفة، والمعرفة لازمة البحث والتقصي، فمن رام التعبد على بصيرة، اجتهد في معرفة الحق، فإظهار معاني هذه الأسماء والصفات وإثباتها، مُعين على التعبد بها، وهذا يشمل: حفظها، ومعرفة معانيها، والتعبد بمقتضاها.
2 -
قضايا احترازية غائية: وتظهر من جهة إغلاق الباب على المتقولين المتخرصين على النصوص الشرعية في هذا الباب.
(1)
الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة: 2/ 149
3 -
قضايا مقاصدية: ويراد بها: بث الوعي المجتمعي من خلال معاني أسماء الله وصفاته، والتي تُسهم في إيقاف المد السلوكي الخاطئ، وتربية المجتمع على المحاسن ومعالي الأمور.
4 -
قضايا دفاعية: ضد كل الأفكار التي تُناقض هذا النوع من التوحيد، فهذا البيان يُسهم في كشف التأويلات المنحرفة، وإبطال الأقوال الفاسدة، وهذا يظهر جليا في الرد على:
-المفوضة: الذين يزعمون أن آيات الصفات من المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فيفوضون المعاني، والمشكلة أنهم يبثون في تقريراتهم الفاسدة، أنهم أهل العلم والمعرفة والحكمة، وهو في حقيقته تجهيل للأمة جمعاء.
-والجهمية بجميع طبقاتهم: الذين ينكرون الأسماء والصفات أو بعضها؛ بحجة التنزيه وعدم التشبيه.
-والفلاسفة: الذين ينفون هذا النوع من التوحيد نفيا تاما؛ لمعارضته لحقيقة واجب الوجود الذي يعتقدونه، وهو أنه موجود وجودا كليا مطلقا بشرط الإطلاق، فيصير لا حقيقة له في الواقع إلا في الأذهان، ولا مانع لديهم من وصفه بالسلوب والإضافات؛ لأنها في الحقيقة ليست معانٍ وجودية بل اعتبارية فقط، فجعلوا الصفة هي الموصوف، والصفة هي الأخرى.
5 -
قضايا تأصيلية: تتمثل في عدة أمور:
- عدم الترادفية بين الأسماء والصفات، فهي باعتبار دلالتها على الذات مترادفة؛ لأنها تدل على ذات واحدة، لكن باعتبار معانيها فهي متباينة غير مترادفة، فليس العلم هو القدرة، وليست القدرة هي الرحمة، وهكذا.
- أن الأسماء تتضمن صفاتا، فالأسماء تدل على الصفات، ولا يمكن وجود ذات خلية عن الصفات، خلافا لمن جعل الأسماء؛ كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير، كالأعلام المحضة المترادفة، ومن قال: هو عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، فأخلوا الأسماء عن معانيها، وعطلوها عن حقائقها.
- أن الاتفاق في الأسماء لا يستلزم الاتفاق في المسميات والحقائق.
- أن الأسماء تتفق عند الإطلاق، أما عند التخصيص والإضافة، فيختص كل اسم بمعنى دون الآخر، فالمشاركة تكون في المعنى المطلق الذهني.