الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: الإيمان بالملائكة:
مدخل:
الملائكة من عالم الغيب الذي يجب الإيمان به واعتقاده، يقول تعالى:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3]، يقول ابن عباس: الغيب كل ما أُمرت بالإيمان به، مما غاب عن بصرك، وذلك مثل الملائكة
(1)
. وقد أثنى الله جل وعلا على ملائكته، فقال سبحانه:{بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء:26 - 27]، يقول السمعاني: " هذا ثناء من الله على الملائكة
…
معناه: أنهم لا يُخالفونه، لا قولاً، ولا عملاً، ويُقال: إذا أمر بأمر أطاعوه، فإذا قال لهم: افعلوا، قالوا: طاعة"
(2)
.
وقد أجمع العلماء على أن الملائكة حق، واتفقوا على أنهم كلهم مؤمنون فضلاء
(3)
، وأنهم مجبولون على طاعة الله عز وجل، معصومون من الغلط
(4)
.
(1)
((السمعاني: تفسير القرآن: 1/ 43
(2)
((السمعاني: تفسير القرآن: 3/ 376
(3)
((ابن حزم: مراتب الإجماع: دار الكتب العلمية، بيروت، (174)
(4)
((ابن القطان: الإقناع في مسائل الإجماع: دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1،1426 هـ (1/ 48)
والإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، فلا يصح إيمان عبد حتى يقر ويعترف، بأن لله تعالى ملائكة خلقهم من نور، ويؤمن بما ورد من صفاتهم في الكتاب والسنة، ولذا حكم الله جل وعز بكفر من أنكر الملائكة، فقال سبحانه:{وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء:136]، فمن صفات المؤمنين التي ذكرها القرآن: أنهم يؤمنون بالملائكة، قال تعالى:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ} [البقرة:285]، يقول الرازي:" من الأصول المعتبرة في الإيمان: الإقرار بالملائكة، كما قال تعالى: " وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ "، والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم، تارة على سبيل الإجمال، وأخرى على طريق التفصيل "
(1)
.
يقول القصري: " واعلم ـ رحمك الله ـ أن الإيمان بالملائكة واجب، كالإيمان بالرسل، والجاحد للملائكة كافر، لا يُقبل إيمانه؛ لأنه يكذب بكتب الله ورسله، وعددهم لا يحصيهم إلا الله تبارك وتعالى "
(2)
.
والإيمان بالملائكة ينتظم ثلاثة أمور:
1 ـ التصديق بوجودهم.
2 ـ إنزالهم منازلهم.
3 ـ الاعتراف بأن منهم رسلاً يرسلهم الله إلى من يشاء من البشر.
(3)
وذكر القصري أوصافهم، وقال:" واعلم أن أوصافهم ستة أوصاف، هي جامعة كل فضيلة: 1 ـ العلم الكامل، 2 ـ العفة الكاملة عن الشهوات، 3 ـ الاجتناب للمعصية، 4 ـ الطاعة الكاملة والامتثال الكامل في كل ما أمر به المعبود جل جلاله، 5 ـ الذكر الدائم المتصل الذي لا يدخله فتور ولا غفلة، ولا يقطعه سهو ولا نوم، 6 ـ الأخلاق الحسنة الكاملة "
(4)
.
ثم قال: " فإذا فهمت هذا فاعلم أن الإيمان بهم عليهم السلام على ثلاثة أضرب:
1 ـ العمل بأعمالهم.
2 ـ التصديق بوجودهم
(1)
((الرازي: مفاتيح الغيب: 26/ 445
(2)
((القصري: شعب الإيمان: 339
(3)
((الحليمي: مختصر كتاب المنهاج: 64
(4)
القصري: شعب الإيمان: 312 ـ 313
3 ـ التشبه بهم في أوصافهم وأفعالهم وعلومهم "
(1)
.
وقد جرى السمعاني في تقريره لهذا الركن مجرى السلف، فسلك المسلك الواضح البين الذي جاء تفصيله في النصوص، بعيدا عن النظرات الفلسفية التي تنظر إلى هذه العوالم، نظرة مباينة للشرع. وعالم الغيب يشمل كذلك عالم الجن والشياطين، ولذا أولاها السمعاني عناية خاصة، وظهر اهتمامه في إبراز مسائل هذا الركن من عدة جهات:
1 -
التعريف بهم، وذكر أسمائهم وأوصافهم، والتعريج على بعض أعمالهم.
2 -
تحقيق بعض المسائل المتعلقة بهم:
- المفاضلة بين الملائكة والبشر.
- هل الملائكة يموتون؟
- تعلق الرعد والبرق بالملائكة.
3 -
التعريف بالجن والشياطين، وذكر أوصافهم وأحوالهم، وشيء من أعمالهم.
4 -
تحقيق بعض المسائل المتعلقة بهم:
- هل إبليس من الملائكة؟
- هل من الجن رسل؟
- هل الجن يدخلون الجنة؟
- حول إمكان وطء الجني الأنسية؟
والمقصود هنا حصر جهد السمعاني في هذا الباب مما ورد في التفسير، وذكر آرائه المتعلقة به، بعيدا عن استقصاء المسائل المفضي إلى الترهل البحثي، إلا ما كان له تعلق بموضوع البحث.
وبعد استقراء آراء السمعاني، يظهر توافقه مع المنهج القرآني الذي انبثق عنه منهج السلف، فهو لا يتحيز مع رأي دون رأي، إلا ما كان موافقا للمنقول والمعقول، وهذا كذلك يُظهِر تجرد السمعاني للحق وبعده عن الأهواء وشهوات النفس.
وآراء السمعاني تأتي متوافقة لأصول السلف في هذا الباب، إلا ما كان من مسائل اجتهادية هي محل بحث ونظر، لا تُخرجه عن الأصل الأصيل في متابعته لمنهج السلف.
(1)
((مرجع سابق.