الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومما يوجه به هذا القول: أن الفطرة لها تميِّز عما ذكروه، من أن كل مولود يولد على ما سبق في علم الله أنه صائر إليه؛ لأن كل المخلوقات بهذه المثابة، فالبهائم والأشجار مخلوقة على ما سبق في علم الله، إذن: فليكن حينئذ كل مخلوق مخلوقاً على الفطرة.
ولو كان المراد ذلك لم يكن لقوله: " فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " معنى، فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها، فلا فرق بين التهويد والتنصير حينئذ، وبين تلقين الإسلام وتعليمه، وبين تعليم سائر الصنائع، فإن ذلك كله داخل فيما سبق به العلم.
(1)
المسألة الثانية: دلائل وجود الله تعالى ووحدانيته:
هذه المسألة هي الأصل التي يُبنى عليها ما بعدها، ولذا تتابع العلماء على البدء بهذا الأصل في الإيمان بالله تعالى، وهو الموافق للعقل والمنطق السليم، فالحديث عنها مقدم على غيرها، وإنما أخرت الكلام عنها، لدواعي ترتيب المباحث والمسائل لا غير، وإلا فإن حقها التقديم والتصدير ليُبنى عليها غيرها من المسائل، على أن ترتيب المسائل العلمية، هي تراتيب اصطلاحية، قد تُقَدَّم مسألة في مقام، وتُؤخر في مقام آخر حسب الدواعي والحاجة إليها.
فمسألة وجود الله تعالى، مسألة فطرية
(2)
، إلا أن الناس سلكوا مسالك متعددة في إثبات الوجود الإلهي. مع أن الدلائل التي جعلها الله جل وعلا سبيلاً لمعرفته، وبثها في الكون والآفاق والأنفس كثيرة، ولا تنحصر أفرادها:
وفي كل شيء له آية
…
تدل على أنه واحد
(1)
((ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: 8/ 387 (بتصرف).
(2)
((يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " مع أن إثبات الموجود الواجب الغني الخالق، وإثبات الموجود الممكن المحدث الفقير المخلوق، هو من أظهر المعارف، وأبين العلوم ". ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: 3/ 265
يقول الإمام ابن القيم
(1)
: " وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء. وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت:
وليس يصح في الأذهان شيء
…
إذا احتاج النهار إلى دليل ".
(2)
فوجود الباري جل وعلا ثابت بطريق الفطرة، والعقل، الحس، والشرع.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " أما إثبات الصانع فطرقه لا تحصى، بل الذي عليه جمهور العلماء، أن الإقرار بالصانع فطري، وضروري مغروز في الجبلَّة ".
(3)
أما المتكلمون فقد انتهجوا طرائق وعِرَة، وسلكوا أساليب معقدة، لإثبات وجود الله تعالى، استخدموا فيها مصطلحات فلسفية، انتجت نتائج متناقضة، أدت إلى نفي ما يستحقه الرب جل وعلا من الكمالات.
فذهبوا إلى أن إثبات الباري متوقف على إثبات حدوث العالم، واحتياجه إلى محدث وهو الله تعالى، فسلكوا هذا الطريق الخفي، الذي يعتمد على إثبات الجواهر والأعراض، إمكاناً وحدوثاً.
(4)
في حين ذهب الفلاسفة مذهباً آخر، فأثبتوا وجود الله جل وعلا، عن طريق الوجوب والإمكان، فقسموا الموجود إلى واجب وممكن، ثم استدلوا بالممكن على الواجب، من حيث حدوثه بعد أن لم يكن، ومن حيث ثباته على الإمكان.
(5)
(1)
((ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، (691 هـ - 751 هـ)، تتلمذ على شيخ الإسلام ابن تيمية، برع في فنون العلم، وخط يراعه: بدائع الفوائد، وزاد المعاد وغيرهما كثير. الفاسي: الذيل على كتاب السير: 17/ 62
(2)
((ابن قاسم: محمد بن عبدالرحمن: المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية، ط 1، 1418 هـ، (1/ 33)
(3)
((ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط 1، 1406 هـ، (2/ 270)
(4)
((الإيجي: المواقف: 3/ 12
(5)
((انظر: ابن سينا: الحسين بن عبدالله: النجاة، مطبعة السعادة، مصر، 1330 هـ (383).
فهذه استدلالات عقلية مجردة، وبراهين منطقية، فلسفية، تفتقر إلى الوضوح والسهولة والبيان، مع أن القرآن الكريم جاء بما يشفي ويكفي في مثل هذه القضية، فيكفي في إثبات وجوده تعالى، ما ركبه في الفِطر، وغرسه في النفوس على الإقرار بوجوده، قال جل وعلا:" قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ "(إبراهيم 10)، قال السمعاني:" معناه: ليس في الله شك، وهذا استفهام بمعنى نفي ما اعتقدوه ".
(1)
وقد سار الإمام السمعاني في هذا الباب على المنهج القرآني، والطريق الرباني، فقد أشار في تفسيره في أكثر من موضع، أن الله تعالى قد نصب الدلائل، وأقام البراهين، وأوضح الحجج، وبين الطرق التي تدل عليه، سواء كانت من جهة الآيات الشرعية، أو الآيات الكونية، التي تدل على وجوده سبحانه وتعالى.
ومن ذلك: يقول الإمام السمعاني عند تفسير قوله تعالى: " هَذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (52) "(إبراهيم 52)، " وقوله:"وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ". أي: ليستدلوا بهذه الآيات على وحدانية الله تعالى ".
(2)
وفي تفسير قوله تعالى: " لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55) "(النحل 55)، يقول:" قوله تعالى " لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ". معناه: أن حاصل أمرهم هو كفرهم بما آتيناهم من النعمة. وقيل: إن النعمة هي الآيات التي أراها خلقه على وحدانيته ".
(3)
وفي تفسير قوله تعالى: " وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ "(الحجرات 8)، يقول:" يُقال: حببه بإقامة الدلائل على وحدانيته، وهدايتهم إليها ".
(4)
(1)
((السمعاني: تفسير القرآن: 3/ 107
(2)
((السمعاني: تفسير القرآن: 3/ 127
(3)
((السمعاني: تفسير القرآن: 3/ 179
(4)
((السمعاني: تفسير القرآن: 5/ 218
وقد فصّل الله جل وعلا الآيات، وبيَّنها، وأظهرها، لكن تحتاج إلى نظر، وتأمل، وتدبر، يقول تعالى:" كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) "(الروم 28)، يقول السمعاني:" أي: ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم ".
(1)
ولذا أمر الله عز وجل أنبياءه بالتذكير بهذه الدلائل، فقال تعالى:" فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) "(الغاشية 21): " أي: اذكر دلائل توحيد الله ".
(2)
ثم عاب على المشركين شركهم فقال تعالى: " وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ "(البقرة 165): يقول السمعاني: " كأنه عاب المشركين، حيث اتخذوا من دونه أنداداً، بعد ما أظهر الدلائل، ونصب البراهين على الوحدانية ".
(3)
ولذلك كان التكذيب بالتوحيد، والاستكبار عن الإيمان، موجوداً عند بعض من طمست فطرته، وأعميت بصيرته، يقول جل وعلا في قصة موسى وفرعون:" وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56) "(طه 56): " أي: كذب بالتوحيد، وأبى عن الإيمان ".
(4)
وبتتبع كلام الإمام السمعاني في تفسيره، نخلص إلى أنه سلك في استدلاله على وجود الباري جل وعلا طريقين:
الطريق الأول: دليل الفطرة والميثاق:
ذكرنا فيما سبق، أن النفس تدرك وجود الله تعالى بفطرتها، فلو تركت دون مؤثرات خارجية، لاستدلت على الله تعالى ـ ولذا الفطرة تكون حاضرة أوقات الشدة، وتظهر حين نزول البلية، شاهده قوله تعالى عن المشركين:" فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ "(العنكبوت 65)، يقول الإمام السمعاني:" أي: دعوا الله وتركوا دعاء الأصنام "
(5)
(1)
((السمعاني: تفسير القرآن: 4/ 208
(2)
((السمعاني: تفسير القرآن: 6/ 215
(3)
((السمعاني: تفسير القرآن: 1/ 164
(4)
((السمعاني: تفسير القرآن: 3/ 335
(5)
((السمعاني: تفسير القرآن: 4/ 193
ويقول السمعاني: " وقد ذكر بعض أهل العلم، أن الفطرة هاهنا هي الفطرة التي هي موجودة في كل إنسان. فإن كل أحد يرجع إلى غريزته، عَرَف خالقه، وذلك معنى قوله تعالى: " فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا " (الروم 30).
(1)
وتتلاقى هذه الفطرة، وتتمازج سوياً مع العهد الأول، والميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم وهم في عالم الذر، وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا: بلى. إلا أن هذا الميثاق لا تقوم به الحجة وحده، ولذا أرسل الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين.
ويُشار في هذا المقام إلى أن العلماء مختلفون في آية الميثاق: " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا "(الأعراف 172).
هل المقصود به إخراج حقيقي أو إخراج حالي، قولان للعلماء:
فمنهم من يقول: هذا الإشهاد كان لما استخرجوا من صُلب آدم، وهل ثبت النطق والكلام أم لم يثبت؟ قولان:
فقيل: ثبت النطق والكلام، وقيل لم يثبت، وإنما الوارد في الأحاديث: أن الله جل وعلا أراهم آدم، وقال هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار.
وممن نصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، يقول الإمام ابن تيمية:"فأما نطقهم فليس في شيء من الأحاديث المرفوعة الثابتة، ولا يدل عليه القرآن "
(2)
ويقول الإمام ابن القيم: " وبالجملة فالآثار في إخراج الذرية من ظهر آدم، وحصولهم في القبضتين كثيرة، لا سبيل إلى ردها وإنكارها، ويكفي وصولها إلى التابعين، فيكف بالصحابة؟، ومثلها لا يقال بالرأي والتخمين، ولكن الذي دل عليه الصحيح من هذه الآثار إثبات القدر .. فأما نطقهم فليس في شيء من الأحاديث التي تقوم بها الحجة، ولا يدل عليه القرآن "
(3)
(1)
((الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة: 2/ 41
(2)
((ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: 8/ 484، ابن تيمية: جامع الرسائل: 1/ 12
(3)
((ابن القيم: محمد بن أبي بكر: أحكام أهل الذمة، رمادي للنشر، الدمام، ط 1، 1418 هـ، (2/ 1006)
والإمام السمعاني يرجح القول الأول، وفي هذا يقول:" وأما أهل السنة مقرون بيوم الميثاق "
(1)
. ونقل عن جماعة من المفسرين، القول بأن الله تعالى استنطقهم فنطقوا، وكلمهم فتكلموا، وفي هذا يقول:" وفي بعض الأخبار: أن الله استخرج ذرية آدم، فنثرهم بين يدي آدم، ثم كلمهم قبلاًـ أي عياناً ـ فقال: " أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ " قالوا: بلى، وقيل: جعل لهم عقول يفهمون بها، وألسنة ينطقون بها، ثم خاطبهم وألهمهم الجواب.
وقال بعض المفسرين عن علماء السلف: إن الكل قالوا: بلى، لكن المؤمنين قالوا: بلى طوعاً، وقال الكافرون كرهاً ".
(2)
وأشار إلى أن المعتزلة، أنكرت الميثاق
(3)
، وتأولوا هذه الآية، على ما تأوله أصحاب القول الثاني. إلا أن أصحاب القول الثاني، يُثبتون يوم الميثاق بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنهم لا يعتبرون أن هذه الآية تدل عليه، خِلافاً للمعتزلة الذين ينكرون هذا الإشهاد أصلاً.
وقد ذكر الإمام الرازي حجج المعتزلة، في إنكار هذا الميثاق ورد عليها
(4)
، ولذا قال الإمام الزمخشري المعتزلي في كشافه عن هذا الميثاق:" من باب التمثيل والتخييل ".
(5)
وشاهد القول أن الإمام السمعاني، جعل الميثاق الأول شاهداً ودليلاً على وجود الباري جل وعلا، وقد أورد إشكالاً وأجاب عنه، فقال:" وأما قوله: " أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " يقرأ بالياء والتاء، فمن قرأ بالياء فتقدير الكلام: وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، ومن قرأ بالتاء، فتقدير الكلام: أخاطبكم ألست بربكم؟ لئلا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين.
فإن قال قائل: الحجة إنما تلزم في الدنيا، إذا رجعوا عن ذلك العهد الذي كان يوم الميثاق، وأحد لا يذكر ذلك الميثاق، حتى يكون بالرجوع معانداً، فتلزمه الحجة؟
(1)
((السمعاني: تفسير القرآن: 2/ 230
(2)
((السمعاني: تفسير القرآن: 2/ 231
(3)
((السمعاني: تفسير القرآن: 2/ 231
(4)
((الرازي: مفاتيح الغيب: 15/ 398
(5)
((الزمخشري: الكشاف: 2/ 176
وقيل: إن الله تعالى قد أوضح الدلائل ونصبها على وحدانيته، وصدق قوله، وقد أخبر عن يوم الميثاق، وهو صادق في الأخبار، فكل من نقض ذلك العهد، كان معانداً ولزمته الحجة"
(1)
الطريق الثاني: دليل النظر والتأمل في الآيات:
كل الكائنات تشهد، وكل المخلوقات تسجد وتعبد، فمن قلَّب النظر، وأمعن الفكر، وأجال البصر، ورأى عِظَم المخلوق، استدل به على عِظَم الخالق.
وبهذا النظر، وهذا التأمل تستيقظ الفطرة، ويستقيم العقل، ويزن بالفضل، فالله جل وعلا خاطب عقول الكفار؛ فقال جل وعلا:" أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) "(الطور 35). يعني: أهم خلقوا السموات والأرض. والجواب: أنهم لم يخلقوا السموات والأرض
(2)
، فعلموا من حالهم الضعف، وأنهم محتاجون لقوة يحتمون بها، وقبلة يتجهون إليها. إذن: فنفوسهم أقرت، وعقولهم استقرت، بأن الله هو الموجد، وما سواه موجود، وأن الله تعالى هو الخالق، وما سواه مخلوق، فكيف تصرفون العبادة لغيره.
فسبحانه " شهد بتدبيره العجيب، وصنعه المتقن، وأموره المحكمه من خلقه، أنه لا إله إلا هو، وهذا كقول القائل:
ولله في كل تحريكة وتسكينة أبداً شاهد
…
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد "
(3)
ومن شواهد الدلائل على وجوده ما يلي:
(4)
1 ـ سُئِل الإمام أبو حنيفة عن الله جل وعلا، فقال: إن الوالد يريد الولد الذكر فيكون أنثى، ويكون العكس، فدل على الصانع.
2 ـ وسأل هارون الرشيد الإمام مالكاً عن الله تعالى، فاستدل باختلاف الأصوات، وتردد النغمات، وتفاوت اللغات.
(1)
((السمعاني: تفسير القرآن: 2/ 231
(2)
((السمعاني: تفسير القرآن: 5/ 278
(3)
((الثعلبي: أحمد بن محمد: الكشف والبيان عن تفسير القرآن دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 1، 1422 هـ (3/ 32)
(4)
((انظر: الرازي: مفاتيح الغيب: 2/ 333 - 334
3 ـ وسُئل الإمام الشافعي: ما الدليل على وجود الصانع؟ فقال: ورقة الفِرصاد
(1)
، طعمها، ولونها، وريحها، وطبعها واحدها عندكم؟ قالوا: نعم، قال: فتأكلها دودة القز، فيخرج منها الإبريسم، والنحل فيخرج منها العسل، والشاة فيخرج منها البعر، ويأكلها الظباء فينعقد في نوافجها
(2)
المسك، فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك مع أن الطبع واحد؟ فاستحسنوا منه ذلك، وأسلموا على يده، وكان عددهم سبعة عشر.
4 ـ واستدل الإمام أحمد على وجود الله تعالى، بقلعة حصينة، ملساء لا فرجة فيها، ظاهرها كالفضة المذابة، وباطنها كالذهب الإبريز، ثم انشقت الجدران، وخرج من القلعة حيوان سميع بصير، فلا بد من الفاعل، عنى بالقلعة البيضة، وبالحيوان الفرخ.
5 ـ ويروى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق، فقال جعفر: هل ركبت البحر؟ قال: نعم، قال: هل رأيت أهواله؟ قال: بلى، هاجت يوماً رياح هائلة، فكسَّرت السفن، وغَرَّقت الملاحين، فتعلقت أنا ببعض ألواحها، ثم ذهب عني ذلك اللوح، فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج، حتى دفعت إلى الساحل. فقال جعفر: قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح، ثم على اللوح حتى تنجيك، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك، هل أسلمت نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعد؟ قال: بل رجوت السلامة، قال: ممن كنت ترجوها، فسكت الرجل، فقال جعفر: إن الصانع هو الذي كنت ترجوه في ذلك الوقت، وهو الذي نجاك من الغرق، فأسلم الرجل على يده.
6 ـ وسُئل أعرابي عن الدليل، فقال: البعرة تدل على البعير، والروث على الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أما تدل على الصانع الحكيم العليم القدير؟
(1)
((الفِرصاد: بالكسر، التوت الأحمر خاصة. انظر: الرازي: مختار الصحاح، المكتبة العصرية، بيروت، ط 5، 1420 هـ (237).
(2)
((النوافج: الجيم؛ مؤخرات الضلوع، واحدها: نافج ونافجة. انظر: الأزهري: تهذيب اللغة، (11/ 80)
7 ـ وقيل لطبيب: كيف عرفت ربك؟ فقال: بإهليلج
(1)
مُجَفَّف أُطلِق، ولُعاب مُلين أمسك.
8 ـ وقال آخر: عرفته بنحله بأحد طرفيها تعسل، والآخر تلسع.
9 ـ وسُئل أبو نواس عنه، فقال:
تأمل في نبات الأرض وانظر
…
إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لُجين شاخصات
…
وأزهار كما الذهب السبيك
على قُضب الزبرجد شاهدات
…
بأن الله ليس له شريك
إذن فهذا الكون كله بما فيه، يدل على الله جل وعلا، ويشهد بوحدانيته، ويسبح بحمده.
سلِ الواحة الخضراء والماء جارياً
…
وهذي الصحاري والجبال الرواسيا
سل الروض مزداناً سل الزهر والندى
…
سل الليل والإصباح والطير شاديا
وسَلْ هذه الأنسام والأرض والسما
…
وسِلْ كل شيء تسمع الحمد ساريا
ولو جن هذا الليل وامتد سرمدا
…
فمن غير ربي يُرجع الصبح ثانيا
ولو غاض هذا الماء في القاع هل لكم
…
سوى الله يجريه كما شاء راويا
ولو أن هذي الريح ثارث وأعفرت
…
أفي كونكم من يُوقف الريح ناهيا
ألا أيها البُّحاث مال بحثكم
…
توقف مشدوها لدى الكون واهيا
إلهي ضل الناس في جنح غَيِّهم
…
وليس لهم إلاك يارب هاديا
(2)
أما منهج الإمام السمعاني في الاستدلال على وجود الله تعالى، بهذه الآيات، وتلك الدلالات فقد سلك فيها طريقين:
الأول: دلائل الآفاق
…
الثاني: دلائل الأنفس
الطريق الأول: دلائل الآفاق:
وقد فسَّرها الإمام السمعاني، بما بثه الله عز وعلا في هذا الكون، فقال " الآيات في الآفاق، آيات السموات والأرضين، وذلك من رفع السماء، وخلق الكواكب، ودوران الفلك، وإضاءة الشمس والقمر، وما أشبه ذلك، وكذلك بسط الأرض، ونصب الجبال، وتفجير الأنهار، غرس الأشجار، إلى مالا يحصى ".
(3)
(1)
((الإهليلج: ثمر معروف، منه أصفر وأسود وهو البالغ النضيج. انظر: الزبيدي: تاج العروس: (6/ 281).
(2)
((البصيري: عبدالله بن محمد: أبيات مختارة، مطابع الحميضي، ط 1، 1422 هـ، (34).
(3)
((السمعاني: تفسير القرآن: 5/ 61
ثم أشار الإمام السمعاني إلى خِلاف المفسرين في المراد، بهذه الآيات، فقيل: " الآيات في الآفاق: هي الفتوح التي كانت بعد الرسول صلى الله عليه وسلم
…
، قيل: ما أخبر من الأمم المتقدمة وما نزل بهم
…
، هو إمساك المطر ".
(1)
وقد أولى الإمام السمعاني هذه الدلائل، عناية فائقة، فلا يكاد يَمرُّ على دلالة آفاقية في القرآن، إلا ويشير إليها، ويُبيِّن أمرها، ومن ذلك:
ـ قوله جل وعلا: " أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "(الأعراف 185). يقول: " يعني: استدلوا بها على وحدانية الله تعالى "
(2)
ـ وقوله تعالى: " قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "(يونس 101). يقول: " معناه: قل انظروا ماذا في السموات والأرض من الدلائل، والعِبر، والحجج ".
(3)
وقد بيَّن الإمام السمعاني وجه دلالة هذه الآيات، على وحدانية الرب جل وعز، فقال: "والآية في السموات: سمكها، وسعتها، وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة، وما ترى فيها من الشمس والقمر والنجوم. والآية في الأرض: مدُّها، وبسطها، وسعتها، وما يُرى فيها من الأشجار، والأنهار، والجبال، والبحار، والجواهر، والبنات.
والآية في الليل والنهار: نقصانهما، وزيادتهما، وأن يذهب ضوء النهار، فلا يُدرى أين ذهب، يذهب سواد الليل، فلا يُدرى أين ذهب.
والآية في الفلك: تسخيرها، وجريها على وجه الماء، وهي موفرة مثقلة، لا ترسب تحت الماء، بل تعلو على وجه الماء.
" وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا " أي: بعد يبسها وجدوبتها، فإن الأرض إذا أجدبت فقد ماتت، وإذا أخصبت فقد حييت. " وتصريف الرياح ": تصريفها: أن الرياح تارة تكون شمالاً، وتارة تكون جنوباً، وتارة تكون قبولاً، وتارة تكون دبوراً، وتارة تكون نكباء، والنكباء: هي التي لا تعرف لها جهة".
(4)
(1)
((السمعاني: تفسير القرآن: 5/ 61
(2)
((السمعاني: تفسير القرآن: 2/ 237
(3)
((السمعاني: تفسير القرآن: 2/ 407
(4)
((السمعاني: تفسير القرآن: 1/ 162 - 163
ـ وفي قوله تعالى: " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَأيَاتٍ
لِّأُوْلِي الْأَلْبَابِ (190)" (آل عمران 190). يقول السمعاني: " يعني أن فيها دلالات على وحدانيته لذوي العقول "
(1)
ودلالة الخلق التي تدل على الخالق، كثيرة في القرآن، وقد أفاض الإمام السمعاني في ذكرها وبيانها، ولذا قال تعالى عن صفات عباده المؤمنين:" وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " آل عمران 191 فيستدلون به على وحدانيته ".
(2)
ـ ففي قوله جل وعلا: " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ "(الأنعام 73)، يقول الإمام السمعاني:" أي لإظهار الحق؛ لأنه جعل صنعه دليلاً على وحدانيته ".
(3)
وكثيراً ما يخص الباري جل وعز، السموات والأرض من مخلوقاته؛ " لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد؛ ولأن فيهما العِبر، والمنافع للعباد ".
(4)
ـ ويُعلِّق في مقام آخر، فيقول في تفسير قوله تعالى:" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ "(إبراهيم 19): " معنى خلق السموات والأرض بالحق: ما نصب فيها من الدلائل على وحدانيته وسائر صفاته ".
(5)
ـ ويقول في تفسير قوله تعالى: " وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) "(يوسف 105): " معناه: أنهم يعرضون عنها مع مشاهدتها، ولا يستدلون بها على وحدانية الله ".
(6)
ومن الدلالات الآفاقية التي استدل بها السمعاني على وحدانية الله تعالى، الليل والنهار، فقال:" قوله: " وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ " (الإسراء 12): أي: علامتين دالتين على أن لهما إلهاً واحداً ".
(7)
(1)
((السمعاني: تفسير القرآن: 1/ 388
(2)
((السمعاني: تفسير القرآن: 1/ 388
(3)
((السمعاني: تفسير القرآن: 2/ 177
(4)
((السمعاني: تفسير القرآن: 2/ 26
(5)
((السمعاني: تفسير القرآن: 3/ 110
(6)
((السمعاني: تفسير القرآن: 3/ 71
(7)
((انظر: الرازي: مفاتيح الغيب: 3/ 224
فكل هذه الدلائل يذكرها الله تعالى، يُعدِّد بها نعمه على عباده؛ ليعترفوا به ويشكروه.
(1)
فكل هذه الدلائل المُحدثة، تدل على باريها وخالقها؛ لأنها مفتقرة في وجودها وتصريفها إلى المحدث والموجد.
(2)
الطريق الثاني: دلائل الأنفس:
وقد فسَّرها الإمام السمعاني في قوله تعالى: " سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْأفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ "(فصلت 35): يقول: وقوله: " وفي أنفسهم " أي: من السمع والبصر، وخلق سائر الجوارح، وجميع الحواس، وفي بعض التفاسير: أن الآيات في النفس: دخول الطعام والشراب من مكان واحد، وخروجه من مكانين. وقيل: دخول الأطعمة على ألوان كثيرة، وخروجها على لون واحد "
(3)
وقد أشار السمعاني أيضاً إلى تفسيرات أخرى للعلماء، في بيان معنى الآيات في الأنفس، ومما ذكره أن معنى الآيات في الأنفس، هي الفتوحات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: ما أنذرهم من الوعيد والعذاب، وقيل: هي البلايا في الأجساد.
(4)
ومن الدلائل التي ذكرها السمعاني، مايعرفه المرء عن نفسه، أنه كان نطفة من ماء مهين، ثم أحياه ربه وأوجده، ثم يميته عند انتهاء أجله، ثم يحييه مرة أخرى للبعث، وفي هذا يقول السمعاني:" قوله تعالى: " كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ": قاله تعجباً، تكفرون بالله بعد نصب الدلائل، ووضوح البراهين؟، ثم ذكر الدليل فقال: " وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا " هذا دليل، أي كنتم نطفاً في أصلاب الآباء، " فَأَحْيَاكُمْ " أي: خلقكم، " ثُمَّ يُمِيتُكُمْ " عند انتهاء الأجل، " ثُمَّ يُحْيِيكُمْ " للبعث، " ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " إلى الله مصيركم ".
(5)
(1)
((السمعاني: تفسير القرآن: 6/ 136
(2)
((انظر: الرازي: مفاتيح الغيب: 2/ 332
(3)
((السمعاني: تفسير القرآن: 5/ 61
(4)
((السمعاني: تفسير القرآن: 5/ 61
(5)
((السمعاني: تفسير القرآن: 1/ 62
فضعف الإنسان، وعجزه، وفقره، دليل على قدرة الله، وقوته، وبقائه، يقول السمعاني:"وفي الأخبار: أن الله أوحى إلى داود: اعرف نفسك واعرفني. فقال: يا رب كيف أعرف نفسي، وكيف أعرفك؟ فأوحى الله إليه: اعرف نفسك بالضعف، والعجز والفناء، واعرفني بالقوة، والقدرة، والبقاء ".
(1)
إذن: فمن عرف الله، فهو مهتدي القلب.
(2)
فخلاصة هذه الدلالة: " أن كل أحد يعلم بالضرورة، أنه ماكان موجوداً من قبل ذلك، وأنه صار الآن موجوداً، وأن كل ما وُجد بعد العدم، فلا بُدَّ له من مُوجد، وذلك الموجد ليس هو نفسه، ولا الأبوان، ولا سائر الناس؛ لأن عجز الخلق عن مثل هذا التركيب معلوم بالضرورة، فلا بُدَّ من مُوجد يُخالف هذه الموجودات، حتى يصح منه إيجاد هذه الأشخاص ".
(3)
فكل هذه دلائل وشواهد على التوحيد، والله جل وعلا يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام:"أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) "(فصلت 53): يعني: " أوليس في الدلالة التي أقامها على التوحيد كفاية ".
(4)
والشاهد: أن الإمام السمعاني سار في طريقته الاستدلالية في هذا الباب على المنهج القرآني، بعيدا عن الطرائق الفلسفية والكلامية المنحرفة المعقدة التي لا تُوصل إلى نتيجة أو مطلوب. ولذا فهو يحشد الأدلة القرآنية بكل صورها وأشكالها وأنواعها؛ ليدلل على الحقيقة المغروسة في الفطر، وهي أن وجود الله تعالى فطري ضروري لا تنفك عنه النفس البشرية بحال، وهو بهذا يُؤكد على ما قرره القرآن وأصله من دلائل ظاهرة وباطنة، تقود المرء إلى الحقيقة التي لا شك فيها، إلا في أذهان من انحرفت عقولهم، وطمست فطرهم، وهي أن الله تعالى واجب الوجود، وأن وجوده من ذاته، فهو مستغنٍ عن كل أحد، وكل أحد مفتقر إليه، سبحانه الخالق البارئ المبدئ المعيد.
(1)
((السمعاني: تفسير القرآن: 1/ 142
(2)
((السمعاني: تفسير القرآن: 5/ 452
(3)
((الرازي: مفاتيح الغيب: 2/ 332
(4)
((السمعاني: تفسير القرآن: 5/ 61