الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من المقدار معتبراً، لكان ماء المزادة قليلاً ملابساً للنجاسة، لم يجز الوضوء به؛ إما إلزاماً للمُناظِر على مقتضى مذهبه، وإما بالدليل الدال على نجاسة الماء القليل بوقوع النجاسة فيه.
وحاصل هذا الوجه: إثباتُ تأثُّرِ الماء القليل بالنجاسة، وإثباتُ نجاسة إناء المشرك، وأن ماء المزادة لم يبلغ قلتين، ويلزمه ما ذكر من عدم التحديد بالقلتين.
وتقع المعارضة هاهنا بين الدليل الدال على نجاسة آنية المشرك، والدليل الدال على تأثر الماء القليل بالنجاسة، والدليل الدال على قلة ذلك الماء، وأن الوضوء به كان مع قلته، وبين الدليل الدال على اعتبار القلتين.
الثامنة والأربعون:
وأما من يرى أن الماء القليل لا ينجس باتصاله بالنجاسة، فالطريق فيه أن يقول: الوضوء جائزٌ بالماء القليل الموضوعِ في أوانيهم، والماءُ القليلُ الموضوعُ في أوانيهم متصلٌ بالنجاسة، والوضوء جائزٌ بالماءِ القليلِ المتصل بالنجاسة.
أما المقدمة، وهي: أن الوضوء جائز بالماء القليل الموضوع في أوانيهم، فإنه جاز بماء المزادة لحديث عمران، وماءُ المَزَادة ماءٌ قليل لِمَا تقدَّم، وهو موضوع في آنيتهم، فالوضوء جائز بالماء القليل الموضوع في آنيتهم.
وأما المقدمة الثانية، وهي: أن الماء القليل الموضوع في آنيتهم
متصل بالنجاسة، فلأنَّ أوانيهم نجسةٌ بحديث أبي ثعلبة، والماء متصل بها، فالماء القليل الموضوع في أوانيهم متصل بالنجاسة.
وحاصل هذا: ترجيح الدليل الدال على نجاسة آنية المشرك مع إثبات قلة الماء، على الدليل الدال على تنجيس الماء القليل بإيصال النجاسة به.
واعلم أن هذا لا يتم الاستدلالُ به للمالكي الذي لا يرى تنجيسَ الماء القليل باتصاله بالنجاسة، وإن أمكن تقريرُه، فبطريق الإلزام لبعض المخالفين له.
أمَّا أنه لا يتأتَّى له الاستدلال بالحديث على ذلك، فلأنَّ الاستدلالَ به موقوفٌ على إثبات قلة ماء المزادة، ولا فرق بين القلة والكثرة بالنسبة إلى الحكم والنجاسة على مذهبه، إذ لا نجاسة لقليل الماء ولا لكثيره، فلا فائدة لتحديد القليل حينئذ.
اللهم إلا أن يثبُتَ له أن ماء المزادة انتهى إلى حد القلة، لا يُختلف في كونه قليلاً، ويحصل الاتفاق عليه، فيتم ذلك.
لكن هذا غير ممكن، فإن للمزادة حظًّا من الكثرة عند بعض الناس، وهم الذين يمثلون القليل بملء الإناء الصغير، فالمزادة تَسعُ ما هو أكثر من ذلك، فإذا رأوا أن ذلك المقدار ينجس، وأراد الاستدلال عليهم بحديث المزادة، أجابوه بأنه كثيرٌ عندنا.
وأما بطريق الإلزام فَبِأَنْ يلزمَ ذلك من يَحُدّ القليلَ بما دون