الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منشأُ الأعصاب التي هي معدِنُ الحسِّ والحركةِ، وبسلامتها تكون سلامةُ الأعضاء؛ يعني: والتوصُّل بكل شيء منها إلى ما خُلِقَ له، فإذا تيسَّرَ ذلك، فإنما هو نعمةٌ [من الله](1) جليلة، وفائدة عظيمة، فلا أقلَّ من أن يُعرفَ قدرُها بالحمد لله عز وجل، وفيه مع ذلك اعترافٌ له بالخلق والتدبير، وإضافةُ ما يصدر (2) منه إليه، لا إلى الطباع كما يقوله المُلْحِدون، فكان مما تحقق المحافظة عليه بهذا المعنى.
الثالثة والثمانون:
يُستحبُّ للعاطس إجابةُ المشمّت بدعاء يخاطِبُه به، كما ذكرناه في الحديث السابق، لكنه ليس من مقتضيات هذا الحديث الذي نحن في شرحه، إلا أنهم ذكروا في تعيين ما يجيبه به العاطسُ اختلافًا وترجيحاتٍ ذكروها، وهي لا تختصُّ بجواب العاطسِ للمشمت، بل هي مطَّردة في تشميت العاطس، فينجرُّ [النظرُ](3) بسبب ذلك إلى البحث عنها بالنسبة إلى التشميت، وهل ينتقلُ إلى التشميت ويجري فيه، أم لا؟
فنذكرها، ونذكر ما يَنجرُّ إليه النظرُ بسببها، فنقول:
(1) سقط من "ت".
(2)
"ت": "يقدّر".
(3)
سقط من "ت".
[نقل](1) القاضي أبو الوليد بنُ رشد المالكيُّ قاضي الجماعة، عن مالك - رحمه الله تعالى - أنه قال: إن شاء قال العاطسُ في الرد على من يشمّته: "يغفر الله لنا ولكم"، وإن شاء قال:"يهديكم الله ويُصلحُ بالَكُم"، [وهو قول الشافعي؛ أي: ذلك.
قال: وقال أصحابُ أبي حنيفة: يقول: "يغفر الله لنا ولكم"، ولا يقول:"يهديكم الله ويصلح بالكم"، (2)، ورووا عن [إبراهيم]، (3) النخعي أنه قال:"يهديكم الله ويصلح بالكم" قالته الخوارج؛ لأنهم لا يستغفرون للناس (4).
قال: والصحيحُ ما ذهب إليه مالك، من أنه يَرُدُّ عليه بما شاء من ذلك، فقد (5) جاء عن النّبيِّ صلى الله عليه وسلم الأمران جميعًا.
قال: وقد اختار الطَّحاوي وعبدُ الوهاب وغيرُه: "يهديكم الله ويصلح بالكم"، على قول:"يغفر الله لنا ولكم"؛ لأنَّ المغفرةَ لا تكون إلا عن (6) ذنب، والهداية قد تَعْرَى عن الذنوب (7).
(1) زيادة من "ت".
(2)
سقط من "ت".
(3)
سقط من "ت".
(4)
رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 302).
(5)
"ت": "إذ قد".
(6)
"ت": "من".
(7)
انظر: "التمهيد"(17/ 332)، و"الاستذكار" كلاهما لابن عبد البر (8/ 482).
[قال](1): والذي نقول به: إنّ قوله: "يغفر الله لنا ولكم" أولى؛ إذْ لا يَسْلَمُ أحدٌ من مواقعة الذنوب، وصاحبُ الذنب يحتاج إلى الغفران؛ لأنه إن هُدي فيما يستقبل، ولم يُغفَر له ما تقدم من ذنوبه، بقيت التَّبِعَةُ عليه فيها، وإن جَمَعَهما جميعًا، فقال: يغفر الله لنا ولكم، ويهديكم الله ويصلح بالكم، كان أحسن وأولى، إلا في الذمِّي إذا عطس وحمد الله، فلا يقال له: يرحمك الله، وإنما يقال: يهديك الله ويصلح بالك؛ لأن اليهودي والنصراني لا تُغفر له السيئاتُ حتى يؤمن (2).
قلت: هذا الترجيح الذي ذكره لقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم، على قوله: يغفر الله لنا ولكم (3)، لا يختصُّ بردِّ العاطس على المشمّت، بل هو مطَّردٌ في المشمّت أيضًا، ولا تتأدَّى [به](4) السنةُ في المشمّت للمسلم، وإنما تتأدَّى به للكافر، فقد يُستدل بإلغاء هذا الترجيح في المشمّت على الغاية في الرادِّ على المشمّت، فإن المعنى عامٌّ فيهما، فإلغاؤه في أحدهما إلغاءٌ له في الآخر.
وقد يقول المرجِّحُ: إنما أرجِّحُ حيث دلَّ الدليلُ على جوازِ الأمرين، لا حيثُ لم يدلَّ على جوازهما، بل خصص بلفظ آخر
(1) زيادة من "ت".
(2)
انظر: "المقدمات الممهدات" لابن رشد (3/ 444 - 445).
(3)
وقد تقدم أنه اختيار الطحاوي وعبد الوهاب وغيرهما.
(4)
زيادة من "ت".