الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في هذا الحديث على عدة أقوال، أشهرها:
القول الأول: أن هذا الرجل قد شك في قدرة الله تعالى على جمعه بعد تحريقه وطحنه وتفرق أجزائه، كما شك في إحيائه وبعثه بعد ذلك، لكنه كان جاهلًا، ومن جهل صفة من صفات الله تعالى وآمن بسائر صفاته وعرفها لم يكن بجهله بعض صفات الله تعالى كافرًا، إنما الكافر من عاند الحق لا من جهله
(1)
.
وإلى هذا ذهب ابن قتيبة والخطابي وابن حزم
(2)
، وابن عبد البر
(3)
، وابن تيمية وابن القيم
(4)
، وعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب
(5)
،
(1)
انظر: التمهيد لابن عبد البر (18/ 42)، وكشف المشكل لابن الجوزي (3/ 156).
(2)
انظر: الفصل (2/ 271 - 272).
(3)
انظر: التمهيد (18/ 46).
(4)
انظر: مدارج السالكين (3/ 367).
(5)
انظر: مجوعة الرسائل والمسائل النجدية (1/ 248)، وعبد الله هو: ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، من فقهاء الحنابلة، ولد ونشأ بالدرعية، وتفقه على أبيه وغيره، وبرع في التفسير والعقائد وعلوم العربية، ولما توفي والده خلفه في أعماله الكبيرة، ومهامه الجليلة، فكان مرجع العامة والخاصة في وقته، له مؤلفات ورسائل وفتاوى، منها ما هو مبثوث في الدرر السنية، توفي رحمه الله سنة (1244) في مصر حيث اعتقله إبراهيم باشا بعد استيلائه على الدرعية، وأرسله إليها. [انظر: عنوان المجد (1/ 188)، وعلماء نجد (1/ 169)، والأعلام (4/ 131)، والسحب الوابلة (2/ 256) مما استدركه المحقق].
والدهلوي
(1)
، وقال ابن عبد البر:"وهذا قول المتقدمين من العلماء، ومن سلك سبيلهم من المتأخرين"
(2)
.
قال ابن قتيبه: "هذا رجل مؤمن بالله، مقر به، خائف له، إلا أنه جهل صفة من صفاته، فظن أنه إذا أحرق وذري الريح أنه يفوت الله تعالى، فغفر الله تعالى له بمعرفته تأنيبه، وبمخافته من عذابه جهلَه بهذه الصفة من صفاته، وقد يغلط في صفات الله تعالى قوم من المسلمين، ولا يحكم عليهم بالنار، بل ترجأ أمورهم إلى من هو أعلم بهم وبنياتهم"
(3)
.
وقال الخطابي عن هذا الرجل: "إنه ليس بمنكر للبعث، إنما رجل جاهل، ظن أنه إذا فُعل به هذا الصنيع تُرك فلم ينشر ولم يعذب، ألا تراه يقول: (فجمعه فقال: لِمَ فعلت ذلك؟ فقال: من خشيتك)، فقد تبين أنه رجل مؤمن بالله، فعل ما فعل من خشية الله إذا بعثه، إلا أنه جهل، فحسب أن هذه الحيلة تنجيه مما يخافه"
(4)
.
وقال ابن تيمية: "هذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك"
(5)
.
وقال أيضًا: "هذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل
(1)
انظر: حجة الله البالغة (1/ 117). والدهلوي هو: أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي الهندي أبو عبد العزيز، الملقب: شاه ولي الله، فقيه محدِّث من أهل دلهي بالهند، أحيا الله به وبأولاده وتلامذتهم العناية بالحديث والسنة بالهند، له مؤلفات كثيرة بالعربية والفارسية، منها: حجة الله البالغة، والإرشاد إلى مهمات الإسناد، وشرح تراجم البخاري، توفي رحمه الله سنة (1176)، وقيل غير ذلك. [انظر: الأعلام (1/ 149)، ومعجم المؤلفين (4/ 76)].
(2)
التمهيد (18/ 42).
(3)
تأويل مختلف الحديث (112).
(4)
أعلام الحديث (3/ 1565).
(5)
مجموع الفتاوى (3/ 231).
ذلك، أو شك، وأنه لا يبعثه، وكل من هذين الاعتقادين كفر، يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه، ووعده ووعيده، فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته"
(1)
.
واستدل هؤلاء على أن هذا الرجل كان شاكًا في القدرة والمعاد بظاهر روايات الحديث
(2)
.
القول الثاني: أن قوله (لئن قدر علي ربي) بمعنى: ضيَّق، فهو من التقدير الذي هو التضييق، وليس من القدرة التي هي صفة من صفات الله تعالى.
وإلى هذا ذهب الطحاوي
(3)
، وابن جماعة
(4)
، وغيرهما
(5)
، وجوَّزه ابن عبد البر
(6)
.
واستشهدوا بعدة آيات من كتاب الله تعالى، كقوله:{يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد: 26]، وقوله:{وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر: 16]،
(1)
الاستقامة (1/ 164 - 165)، وانظر: الصفدية (1/ 233)، والاستغاثة في الرد على البكري (1/ 383)، ومجموع الفتاوى (7/ 619)، و (11/ 409)، و (23/ 347).
(2)
انظر: مجموع الفتاوى (11/ 409)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (2/ 392 - 393).
(3)
انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة 1/ 159 - 164).
(4)
انظر: إيضاح الدليل (200). وابن جماعة هو: بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الشافعي الأشعري، مهر في الفقه والتفسير، وتولى القضاء في مصر والشام، وعمي في آخر عمره فصُرِف عن القضاء، له مؤلفات منها: تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم، ومختصر في السيرة النبوية، توفي رحمه الله سنة (733). [انظر: العبر (4/ 96)، والدرر الكامنة (3/ 280 - 281)، وحسن المحاضرة (1/ 357)، وشذرات الذهب (6/ 105)، والأعلام (5/ 297)].
(5)
انظر: كشف مشكل الصحيحين لابن الجوزي (3/ 157)، والمفهم للقرطبي (7/ 77)، وشرح النووي على مسلم (17/ 76)، وطرح التثريب (2/ 267).
(6)
انظر: التمهيد (18/ 42 - 43).
وقوله عن يونس عليه الصلاة والسلام: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87].
فقالوا: إن المعنى في هذه الآيات كلها صائر إلى التضييق، وعليه يحمل معنى هذا الحديث
(1)
.
قال ابن جماعة: "قوله: (لئن قدر الله علي) ليس هو من القدرة، بل هو من التقدير الذي هو التضييق، ومنه قوله تعالى:{يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} أي: يضيق.
فمعناه: لئن ضيق الله عليَّ عفوه.، ومنه قوله تعالى:{فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} أي: نضيق، لأن النبي لا يجهل صفة من صفات الله تعالى، وهي قدرة الله تعالى عليه"
(2)
.
القول الثالث: أن معنى قوله: (لئن قدر علي ربي) أي: قدَّر، من القدر الذي هو القضاء، وليس من باب القدرة في شيء.
ويكون المعنى على هذا: "لئن كان قد سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين"
(3)
.
وإلى هذا ذهب أبو يعلى وغيره
(4)
وجوَّزه ابن عبد البر
(5)
.
واستشهدوا بقوله تعالى في قصة يونس: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87]، فقالوا: إن معنى الآية: فظن أن لن نقَّدر عليه من العقوبة ما قَدَرنا، فقوله في الآية:{نَقْدِرَ} راجع إلى معنى التقدير لا إلى معنى القدرة.
(1)
انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة 1/ 159).
(2)
إيضاح الدليل (200).
(3)
التمهيد (18/ 43).
(4)
انظر: مشكل الحديث لابن فورك (319 - 320)، والأسماء والصفات للبيهقي (2/ 493)، وكشف المشكل لابن الجوزي (3/ 157)، وشرح النووي على مسلم (17/ 75 - 76)، وإيضاح الدليل لابن جماعة (200)، وطرح التثريب (2/ 267).
(5)
انظر: التمهيد (18/ 42 - 43).
قال أبو يعلى: "وأما قوله: (لئن قدر علي ربي ليعذبني) فلا يمكن حمله على القدرة، لأن من توهم ذلك لم يكن مؤمنًا بالله عز وجل ولا عارفًا به، وإنما ذلك على معنى قوله تعالى في قصة يونس:{فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} ، وذلك يرجع إلى معنى التقدير، لا إلى معنى القدرة، لأنه لا يصح أن يخفى على نبي معصوم ذلك
…
فعلى هذا يحمل قوله: (لئن قدر علي ربي ليعذبني) أي: إن كان قدر: أي حكم علي بالعقوبة فإنه يعاقبني دائمًا"
(1)
.
القول الرابع: أن هذا الرجل غلب عليه الخوف والجزع، فقال هذا الكلام وهو لا يدري ما يقول، فهو كالرجل الذي قال:(أللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)
(2)
، والله لا يؤاخذ إلا بما عقد عليه القلب، لا بما سها أو غلط به اللسان.
اختار هذا القول القرطبي
(3)
وابن حجر وغيرهما
(4)
.
قال ابن حجر: "وأظهر الأقوال: أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه، حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه"
(5)
.
القول الخامس: أن هذا الرجل قد كفر بمقالته هذه، لكنه في زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر، وهذا بخلاف شريعتنا فإن الله تعالى يقول:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، ففي شريعتنا أن من مات كافرًا فإنه لا يغفر له
(6)
.
(1)
إبطال التأويلات (2/ 418).
(2)
أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه (17/ 69) ح (2747).
(3)
انظر: المفهم (7/ 77، 79).
(4)
انظر: كشف المشكل (3/ 157)، والمفهم (7/ 76 - 77)، وشرح النووي على مسلم (17/ 76)، وطرح التثريب (2/ 267).
(5)
فتح الباري (6/ 523).
(6)
انظر: كشف المشكل (3/ 157)، وشرح النووي على مسلم (17/ 77)، وطرح التثريب (2/ 268).