الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن هذه الطائفة المذكورة في الحديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين
…
)، تستمر على هذه الصفة التي وصفت بها في الحديث إلى أن يقبض الله أرواحهم بالريح اللينة التي تكون قرب قيام الساعة -كما ثبت ذلك في حديث عبد الله بن عمرو وغيره- ثم بعد ذلك يبقى شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.
وعلى هذا يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (حتى يأتيهم أمر الله) أي: هبوب تلك الريح اللينة التي لا تدع مؤمنًا إلا قبضته.
وأما رواية: (إلى يوم القيامة)، و (حتى تقوم الساعة)، فالمراد بها: قربها، وظهور أشراطها.
وإلى هذا ذهب القاضي عياض
(1)
، وأبو العباس القرطبي
(2)
، وأبو عبد الله القرطبي
(3)
، والنووي، وابن حجر
(4)
، والبرزنجي
(5)
،
(1)
انظر: إكمال المعلم (1/ 459)، و (6/ 349).
(2)
انظر: المفهم (1/ 365).
(3)
انظر: التذكرة (2/ 595 - 596).
(4)
إلا أنه جعل المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (حتى تقوم الساعة): ساعتهم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح. [انظر: الفتح (13/ 77، 294)].
(5)
انظر: الإشاعة لأشراط الساعة (369، 366)، والبرزنجي هو: محمد بن عبد الرسول بن عبد السيد الحسني البرزنجي، من فقهاء الشافعية، له علم بالتفسير =
والسفاريني
(1)
، وسليمان بن عبد الله
(2)
، وغيرهم
(3)
، وذكره ابن الجوزي وجهًا من أوجه الجمع
(4)
.
قال النووي بعد ذكره لحديث أنس رضي الله عنه: (لا تقوم الساعة حتى لا يُقال في الأرض: الله الله)، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه:(لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) قال: "وأما الحديث الآخر: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة) فليس مخالفًا لهذه الأحاديث، لأن معنى هذا: أنهم لا يزالون على الحق حتى تقبضهم هذه الريح اللينة قرب القيامة، وعند تظاهر أشراطها، فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة على أشراطها ودنوها المتناهي في القرب، والله أعلم"
(5)
.
وقال ابن حجر بعد ذكره لحديث أنس المتقدم: "والجمع بينه وبين حديث: (لا تزال طائفة): حمل الغاية في حديث: (لا تزال طائفة) على وقت هبوب الريح الطيبة التي تقبض روح كل مؤمن ومسلم، فلا يبقى إلا الشرار، فتهجم الساعة عليهم بغتة"
(6)
.
القول الثاني: أن الساعة كما أنها تقوم على الأشرار فهي تقوم أيضًا على الأخيار، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي
…
)، وأما التنصيص
= والأدب، برزنجي الأصل، ولد وتعلم بشهرزور ورحل إلى عدة بلدان ثم استقر بالمدينة فتصدَّر للتدريس، توفي رحمه الله سنة (1103 هـ) له كتب منها: الإشاعة لأشراط الساعة، وأنهار السلسبيل في شرح تفسير البيضاوي. [انظر: الأعلام (6/ 203)، ومعجم المؤلفين (3/ 292)].
(1)
انظر: لوامع الأنوار (2/ 152 - 153).
(2)
انظر: تيسير العزيز الحميد (380).
(3)
انظر: مجموع الفتاوى (18/ 296)، وفتح المجيد (312)، وشرح العقيدة الواسطية (2/ 379)، والقول المفيد (1/ 413، 495) كلاهما للعثيمين.
(4)
انظر: كشف المشكل (4/ 142).
(5)
شرح النووي على مسلم (2/ 492)، وانظر:(13/ 70).
(6)
الفتح (13/ 19)، وانظر:(13/ 77، 85، 294).
على الأشرار في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء)
(1)
، فلكون الساعة تقوم في الأكثر والأغلب عليهم.
وإلى هذا ذهب ابن بطال، وذكره ابن الجوزي وجهًا آخر في الجمع
(2)
.
قال ابن بطال: "قوله عليه السلام: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء)، فإنه وإن كان لفظه العموم فالمراد به الخصوص، ومعناه: أن الساعة تقوم في الأكثر والأغلب على شرار الناس، بدليل قوله عليه السلام: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرها من ناوأها حتى تقوم الساعة)، فدلَّ هذا الخبر أن الساعة تقوم أيضًا على قوم فضلاء، وأنهم في صبرهم على دينهم كالقابض على الجمر"
(3)
.
القول الثالث: أن هذه الأحاديث خرجت مخرج العموم، والمراد بها الخصوص، وذلك أن شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة يكونون بموضع مخصوص، والطائفة التي تقاتل على الحق لا يضرهم من خالفهم يكونون بموضع آخر، فتنزل هذه الأحاديث على أنها في موضع دون موضع.
وإلى هذا ذهب الطبري رحمه الله حيث قال: لا معارضة بينهما بحمد الله، بل يحقق بعضها بعضًا، وذلك أن هذه الأحاديث خرج لفظها على العموم والمراد منها الخصوص، ومعناه: لا تقوم الساعة على أحد يوحد الله إلا بموضع كذا فإن به طائفة على الحق، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس بموضع كذا
(4)
، ثم استدل بما رواه بسنده عن أبي أُمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
متفق عليه، وقد تقدم تخريجه من حيث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهذا لفظ البخاري.
(2)
انظر: كشف المشكل (4/ 142).
(3)
شرح صحيح البخاري (10/ 13 - 14)، وانظر:(10/ 60)، والفتح (13/ 19، 76 - 77).
(4)
انظر: تهذيب الآثار (2/ 833 - 835)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال =
قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوِّهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك)، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال:(ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس)
(1)
.
قال: "فبيَّن صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر خصوصه
(2)
سائر الأخبار التي وصفناها أنها خرجت مخرج العموم، بوصفه الطائفة التي أخبر عنها أنها على الحق مقيمة إلى قيام الساعة: أنها ببيت المقدس وأكنافه دون سائر البقاع غيرها"
(3)
.
* * *
= (1/ 156)، و (10/ 359)، وإكمال المعلم (6/ 348 - 349)، والفتح (13/ 294).
(1)
تهذيب الآثار (2/ 823) ح (1158)، وأخرجه أحمد، واللفظ له (36/ 656) ح (22320)، وحكم المحقق على إسناده بالضعف.
(2)
هكذا في المطبوع.
(3)
تهذيب الآثار (2/ 834 - 835).