الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في الظل المذكور في الحديث على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن المراد بالظل المضاف إلى الله تعالى في الحديث: ظل العرش، وإلى هذا ذهب الطحاوي
(1)
وابن عبد البر في أحد قوليه
(2)
، وابن رجب
(3)
، والقرطبي
(4)
، وابن حجر
(5)
، وهو ظاهر صنيع ابن منده، والسيوطي، وحافظ الحكمي، عليهم رحمة الله.
أما ابن منده فإنه قال: "بيان آخر يدل على أن العرش ظل يستظل فيه من يشاء الله من عباده" ثم أورد تحت هذا العنوان حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله)
(6)
.
وأما السيوطي فقد ألف كتابًا بعنوان: (تمهيد الفرش في الخصال الموجبه لظل العرش)، ذكر فيه هذا الحديث وشيئًا من طرقه وشواهده.
وأما حافظ الحكمي، فإنه ذكر هذا الحديث باللفظ السابق في جملة النصوص الدالة على العرش وبيان صفته
(7)
.
(1)
انظر: شرح مشكل الآثار (تحفه 7/ 196).
(2)
انظر: التمهيد (17/ 431).
(3)
انظر: فتح الباري (6/ 51).
(4)
انظر: المفهم (542).
(5)
انظر: فتح الباري (2/ 144).
(6)
انظر: التوحيد (3/ 190 - 191).
(7)
انظر: معارج القبول (1/ 107).
واستدل هؤلاء بما يلي:
1 -
أن الحديث جاء بلفظ (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه)، كما عند سعيد بن منصور من حديث سلمان
(1)
، وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر
(2)
، والعيني
(3)
، والسيوطي
(4)
.
وعند الطحاوي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله)
(5)
.
فقالوا: إن هذه الرواية مفسرة للرواية السابقة، والتي فيها إضافة الظل إلى الله تعالى
(6)
.
2 -
أن الظل جاء مضافًا إلى العرش فى عدة أحاديث، غير هذا الحديث، ومن ذلك ما يلي:
أ- حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أنظر معسرًا أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله)
(7)
.
(1)
ورواه عن سلمان موقوفًا: ابن أبي شيبة في كتابه العرش (76) ح (56)، وعبد الرزاق في مصنفه (11/ 201) ح (20322)، وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (2/ 227)، وأورده الذهبي في العلو (84) من طريق ابن أبي شيبة، وقال:"هذا موقوف ضعيف الإسناد".
(2)
انظر: فتح الباري (2/ 144).
(3)
انظر: عمدة القاري (5/ 177).
(4)
انظر: تمهيد الفرش (35 - 36).
(5)
شرح مشكل الآثار (15/ 72)، وقال المحقق -شعيب الأرناؤوط- عن هذا الإسناد: إنه "على شرط البخاري"، ورواه أيضًا عن أبي هريرة بهذا اللفظ: البيهقي في الأسماء والصفات (2/ 227)، والخطيب البغدادي في تاريخه (9/ 254)، وانظر: شرح السنة للبغوي (2/ 355).
(6)
انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة 7/ 196)، وفتح الباري (2/ 144).
(7)
أخرجه الترمذي (تحفة 4/ 534) ح (1321)، وقال: "حديث حسن صحيح، =
وجاء هذا الحديث -أيضًا- عن أبي اليسر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله تعالى في ظل عرشه)
(1)
.
كما جاء -أيضًا- عن أبي قتادة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من نفس عن غريمه أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة)
(2)
.
ب- حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المتحابون في الله على منابرَ من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله)
(3)
.
القول الثاني: أن المراد بالظل المضاف إلى الله تعالى في الحديث: رحمته، وإلى هذا ذهب ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في أحد قوليه، وذكره البغوي والبيهقي وغيرهما.
= غريب من هذا الوجه"، والإمام أحمد (16/ 289) ح (8696)، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، والطبراني في المعجم الأوسط (1/ 270) ح (879)، وصححه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (2/ 30) ح (1052).
(1)
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/ 459) ح (1915)، والطبراني في المعجم الكبير (19/ 166) ح (374)، وابن أبي شيبة في مصنفه (7/ 11) ح (2211).
(2)
أخرجه الإمام أحمد (37/ 251) ح (22559)، و (37/ 307) ح (22623)، وعبد بن حميد في المنتخب (1/ 339) ح (378)، والدارمي في سننه (2/ 340) ح (2589)، والبيهقي في الشعب (20/ 427) ح (10746)، والبغوي في شرح السنة (8/ 199)، وقال:"هذا حديث حسن"، وصححه الألباني، كما في صحيح الجامع الصغير (2/ 1119) ح (6376).
(3)
أخرجه الإمام أحمد (36/ 383) ح (22064)، و (37/ 444) ح (22782)، وابن حبان (2/ 338) ح (577)، والحاكم في مستدركه (4/ 187) ح (7315)، وقال:"هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، والطبراني في الكبير (20/ 87) ح (167)، و (20/ 88) ح (168)، وفي مسند الشاميين (1/ 423) ح (744).
وأصحاب هذا القول، منهم من يفسر الرحمة بدخول الجنة كابن عبد البر حيث قال:"والظل في هذا الحديث يراد به: الرحمة، والله أعلم، ومن رحمة الله الجنة، قال الله عزَّ وحلَّ: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35]، وقال: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30)} [الواقعة: 30]، وقال: {فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} [المرسلات: 41] "
(1)
.
ومنهم من يفسرها بالرعاية والكرامة والحماية، كما يقال: أسبل الأمير أو الوزير ظله على فلان، بمعنى الرعاية والحماية.
وممن فسرها بهذا: عيسى بن دينار
(2)
، والبيهقي
(3)
، والبغوي
(4)
، والقاضي عياض
(5)
، عليهم رحمة الله.
القول الثالث: أن المراد بالظل في الحديث: ظل يخلقه الله تعالى، لأنه في ذلك الوقت لا يوجد شيء يظل الخلائق من الشمس، فلا بناء ولا شجر ولا رمال ولا حجر، إلا ما يخلقه الله تعالى، فيظل به من شاء من عباده، وإلى هذا ذهب الشيخ محمد العثيمين رحمه الله، بل لم يجوز غير هذا المعنى للحديث.
قال رحمه الله: "معنى (يوم لا ظل إلا ظله) أو (يظلهم الله في ظله) يعني:
(1)
التمهيد (2/ 282 - 283)، وانظر:(17/ 431 - 432)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (3/ 562)، وشرح النووي على مسلم (7/ 126).
(2)
انظر: إكمال المعلم (3/ 562)، والمفهم (6/ 543)، وشرح النووي على مسلم (7/ 126)، وفتح الباري (2/ 144)، وابن دينار هو: عيسى بن دينار بن واقد الغافقي القرطبي، فقيه الأندلس ومفتيها في عصره، ارتحل في طلب العلم ثم عاد، فكان مرجع الناس في الفتيا، وكان صالحًا ورعًا مجاب الدعوة، توفي رحمه الله سنة اثنتي عشرة ومائتين (212). [انظر: السير (10/ 439)، والعبر (1/ 285)، وشذرات الذهب (2/ 28)، والأعلام (5/ 102)].
(3)
انظر: الأسماء والصفات (2/ 227).
(4)
انظر: شرح السنة (2/ 355).
(5)
انظر: إكمال المعلم (3/ 562).
الظل الذي لا يقدر أحد عليه في ذلك الوقت، لأنه في ذلك الوقت
…
لا يظل الخلائق من الشمس شيء، لا بناء ولا شجر ولا حجر، ولا غير ذلك، لكن الله عز وجل يخلق شيئًا يظلل به من شاء من عباده، يوم لا ظل إلا ظله، هذا هو معنى الحديث، ولا يجوز أن يكون له معنى سوى هذا"
(1)
.
وشدد -رحمه الله تعالى- النكير على من حمل الظل في الحديث على ظل الله تعالى نفسه، لأنه يلزم عليه أن يكون الله تعالى تحت الشمس.
قال رحمه الله: هذه "مسألةٌ ضل فيها كثير من الجهال، وهي قوله: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، حيث توهموا جهلًا منهم أن هذا هو ظل الله نفسه، وأن الله تعالى يظلهم من الشمس بذاته عز وجل، وهذا فهم خاطئ منكر، يقوله بعض المتعالمين الذين يقولون: إن مذهب أهل السنة إجراء النصوص على ظاهرها، فيقال: أين الظاهر؟ ! وكيف يكون ظاهر الحديث أن الرب جل وعلا يظلهم من الشمس؟ ! فإن هذا يقتضي أن تكون الشمس فوق الله عز وجل"
(2)
.
وقال أيضًا: "المراد بالظل هنا: ظل يخلقه الله عز وجل يوم القيامة، يظلل فيه من شاء من عباده، وليس المراد ظل نفسه جل وعلا، لأن الله نور السموات والأرض، ولا يمكن أن يكون الله ظلًا من الشمس، فتكون الشمس فوقه، وهو بينها وبين الخلق، ومن فهم هذا الفهم فهو بليد أبلد من الحمار، لأنه لا يمكن أن يكون الله عز وجل تحت شيء من مخلوقاته، فهو العلي الأعلى، ثم هو نور السموات والأرض"
(3)
.
وأما رواية (في ظل عرشه)، فقد قال الشيخ عنها: "فيها نظر، لأن المعروف أن العرش أكبر من السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم،
(1)
شرح رياض الصالحين (2/ 186)، وانظر:(2/ 244)، و (2/ 447).
(2)
شرح رياض الصالحين (2/ 185).
(3)
المرجع السابق (2/ 243).
والسموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة، فكيف يكون العرش تحت الشمس يظل الناس؟ !
لو صح الحديث لقلنا: ربما يكون طرف العرش مثلًا، والله على كل شيء قدير.
لكن هذه اللفظة في صحتها نظر، والصواب أنه ظل يخلقه الله في ذلك اليوم، إما من الغمام أو غير ذلك، فالله أعلم به، لكنه ظل يستر الله به من شاء من عباده من حر الشمس"
(1)
.
* * *
(1)
شرح رياض الصالحين (2/ 243 - 244).