الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث: الترجيح
الذي عليه أهل السنة والجماعة أن السحر ثابت موجود، له حقيقة وأثر لا يمكن إنكاره ولا نفيه.
قال الإمام الصابوني في معرض بيان عقيدة السلف: "ويشهدون أن في الدنيا سحرًا وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحدًا إلا بإذن الله عز وجل"
(1)
.
وقال البغوي: "والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة، وعليه أكثر الأمم"
(2)
.
وتقدم قول المازري: "أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقائق غيره من الأشياء الثابتة"
(3)
.
وقال أبو عبد الله القرطبي: "ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة"
(4)
.
وقال النووي: "والصحيح أن له حقيقة
…
وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة"
(5)
.
وقال ابن القيم بعد ذكره لقول المنكرين لحقيقة السحر: "هذا خلاف
(1)
عقيدة السلف وأصحاب الحديث (296)، وانظر: الحجة في بيان المحجة (1/ 519 - 521).
(2)
معالم التنزيل (1/ 99).
(3)
المعلم (3/ 93).
(4)
الجامع لأحكام القرآن (2/ 46).
(5)
روضة الطالبين (9/ 346)، وانظر: فتح الباري (10/ 222).
ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث، وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء"
(1)
.
وقال الشوكاني: "قد أجمع أهل العلم على أن له تأثيرًا في نفسه وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة وأبو حنيفة"
(2)
.
وقد دلَّ على أن السحر له حقيقة وأثر: الكتاب، والسنة، والواقع، وإليك شيئًا من ذلك:
فمن أدلة الكتاب:
1 -
فهذه الآية تدل على أن للسحر حقيقة وأثرًا من عدة وجوه:
أ- أن الله تعالى ذكر السحر، وأخبر أنه مما يُعلَّم ويُتعلَّم، وهذا يدل على أن له حقيقة، إذ لو لم يكن كذلك لما أمكن تعلمه وتعليمه.
قال أبو عبد الله القرطبي: "لو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس، فدلَّ على أن له حقيقة"
(3)
.
ب - أن الله تعالى أخبر في هذه الآية أن السحر يحصل به التفريق بين المرء وزوجه، فقال:{فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} ، وهذا دليل واضح على أن للسحر حقيقة وأثرًا.
(1)
بدائع الفوائد (2/ 365).
(2)
فتح القدير (1/ 121)، وانظر: تفسير ابن كثير (1/ 220).
(3)
الجامع لأحكام القرآن (1/ 46).
قال الشوكاني: "في إسناد التفريق إلى السحرة، وجعل السحر سببًا لذلك، دليل على أن للسحر تأثيرًا في القلوب بالحب والبغض، والجمع والفرقة، والقرب والبعد"
(1)
.
وقال السعدي عند الآية السابقة: "وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله"
(2)
.
ج- أن الاستثناء في قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} يدل على حصول الضرر بسببه
(3)
، لكنه لا يكون إلا بإذن الله الكوني القدري.
2 -
قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)} [الفلق: 1 - 5].
ففي هذه السورة أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من شر النفاثات في العقد، وهن السواحر، اللاتي يستعنَّ على سحرهن بالنفث في العقد
(4)
، مما يدل على أن للسحر حقيقة وأثرًا، وإلا لما كان للأمر بالاستعاذة منهن معنى، وقد حكى أبو عبد الله القرطبي اتفاق المفسرين على أن سبب نزول هذه السورة، ما تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم من سحر لبيد بن الأعصم
(5)
.
قال ابن القيم: "وقد دلَّ قوله: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4)} وحديث عائشة المذكور على تأثير السحر وأن له حقيقة"
(6)
.
(1)
فتح القدير (1/ 120).
(2)
تيسير الكريم الرحمن (1/ 119)، وانظر: أضواء البيان (4/ 474، 506).
(3)
انظر: التفسير الكبير للرازي (3/ 213).
(4)
انظر: جامع البيان (12/ 750)، ومعالم التنزيل (4/ 547)، والجامع لأحكام القرآن (20/ 257)، وتفسير القرآن العظيم (4/ 917)، وأضواء البيان (9/ 638)، وتيسير الكريم الرحمن (7/ 687).
(5)
انظر: الجامع لأحكام القرآن (2/ 46)، وأضواء البيان (9/ 638).
(6)
بدائع الفوائد (2/ 365).